بعيداً من التأويل، ومنطق التفاؤل والتشاؤم، يمكن القول إن القمة السعودية ـ السورية خطوة مهمة في العمل العربي.
إنها نافذة للإطلالة على هموم العرب ـ وما أكثرها ـ في زمن الأزمة العالمية. وهي مدخل لإشاعة أجواء الانفراج في العلاقات العربية ـ العربية قبل انعقاد القمة العادية في آذار المقبل.
ولأن كلاً من السعودية وسوريا تشكل قطباً من أقطاب العرب بجميع المعايير، فإن النتائج والتداعيات سرعان ما ستتلاحق عربياً واقليمياً.
العراق هو الهم الأول، وللبلدين الشقيقين تأثيرات سياسية وديموغرافية في بلاد الرافدين، من نافل القول التمسك بوحدة العراق وسيادته. بقي أن يتابع الطرفان لجم التطرف والإرهاب المستحكم في العراق، وأن يسعيا معاً للتخلص من الاحتلال الأميركي، قد يُقال: وماذا بعد انسحاب الأميركيين في العام 2011؟ ألا يصير العراق سائباً والحال هذه؟
هنا مسؤولية دول الجوار الاقليمي، بما فيها سوريا والسعودية. وهنا يجدر متابعة مؤتمرات دول الجوار بحضور إيراني وتركي وأردني، للتوصل الى ضمانات أمنية لمستقبل العراق.
أما فلسطين الحاضرة في مجمل قمم ومؤتمرات العرب، فإنها تشهد اليوم خطراً متجدداً على الأقصى مصدره إسرائيل. كما تشهد خطراً على وحدتها مصدره أهل فلسطين، وبخاصة "فتح" و"حماس". هل تستطيع كل من السعودية وسوريا ملاقاة مصر في مهمة المصالحة الوطنية الفلسطينية؟ هذا بصرف النظر عن لغة التخوين أو منطق التهميش والإقصاء.
وفي لبنان انتظار طويل لهذه القمة ولنتائجها، علها تفتح كوة في الجدار السميك الفاصل بين اللبنانيين الموزعين شيعاً وأحزاب. ولأن السعودية وسوريا فاعلتان في الداخل اللبناني، فإنهما معنيتان بتسهيل ولادة حكومة الاتحاد الوطني، أو الائتلاف الوطني، تمهيداً لإصلاح ما اعترى النظام اللبناني من ثغرات بنيوية وثغرات سياسية في التطبيق. المهمة اللبنانية ليست سهلة، وهي في مجمل الأحوال ليست مستحيلة.
وعند قراءة البيان الختامي للطرفين بما يخص العلاقات البينية، نجد جملة مشاريع أساسية تندرج في العلاقات الوظيفية بين البلدين، التي يجب أن تستمر مهما كانت خلافات الحكام والحكومات في الحاضر والمستقبل. فالاتفاق على عقد منتدى لرجال الأعمال في البلدين مطلب تنموي، وزيادة رأس مال الشركة السعودية ـ السورية للاستثمار الصناعي والزراعي خطوة في العلاقات التكاملية تفيد الشعبين.
بقي أن يتابع الطرفان انعقاد اللجنة السعودية ـ السورية المشتركة في أقرب فرصة ممكنة. والفرصة يجب ايجادها، وتجدر متابعتها على خلاف ما اعتاد عليه العمل العربي من تردد وتقهقر.
حتى لا يبقى العمل العربي أسير الفرص، وبعضها ضاع بفعل النزاعات الطارئة، أو بفعل الضغوط الخارجية. فإن المصالح السعودية والسورية المشتركة تقضي بمتابعة تنفيذ ما تقرر، فالعبرة في التنفيذ. ويمكن للطرفين تسجيل انفتاح جديد على إيران وتركيا معاً في إطار صحوة اقليمية متنبهة للخطر الإسرائيلي. خطر اسقاط فكرة الدولتين، وإسقاط حق العودة. خطر تهويد القدس الشرقية، وتوسيع دائرة الاستيطان بعدما أحجمت الإدارة الأميركية عن ممارسة الضغوط الكافية على حكومة نتنياهو.
أما المصالح الاقليمية والعربية فإنها رهن اعتماد ديبلوماسية الحوار، أو ديبلوماسية رعاية المصالح المتبادلة. هل تشكل العلاقات السورية ـ السعودية عاملاً مساعداً لتحقيق انفراج اقليمي واسع؟
"المستقبل"




















