«الأوبامانيا» (الولع بشخص الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما) ظاهرة اكتسحت العالم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وقد تكون بعض ملامح شخصية أوباما جذابة تفسر هذا الولع، بما يذكر بشخصية كينيدي في الستينات. لكن ثمة، لا شك، عاملا آخر له أهمية كبرى هو أن الكراهة الشديدة التي كان كثيرون يكنونها للرئيس بوش الابن قد تحولت إلى تعاطف مبالغ فيه أحيانا مع الرئيس الجديد.
وكان المفترض أن تنتشر الأوبامانيا في المجتمعات العربية أكثر من غيرها لأن دوافع كره بوش الابن في هذه المجتمعات كانت الأقوى، لكن الأمر لم يمض على هذا النحو. في البدء كنت أسمع كثيرين يقولون: أوباما مجرد ظاهرة إعلامية ولن يتمكن من الترشح عن الحزب الديموقراطي فضلا عن نيل الرئاسة الأميركية. ثم أصبح أوباما مرشح الحزب الديموقراطي وتغلب على هيلاري كلينتون فسمعت أصواتا تقول: إنهم رشحوه ليقتلوه، لن يسمحوا له أبدا بأن يصبح رئيسا للولايات المتحدة. ثم لما أصبح رئيسا قالوا: لقد اختاروه أسود ليكون قناعا يمرر سياسات البيض العنصرية والاستعمارية. وتحدثت يوما أمام مجموعة من الشباب عن التطور الشاسع بين الولايات المتحدة في الستينات عندما كان السود مفصولين عن البيض، وحالها اليوم حيث رئيسها المقبل رجل أسود، فأجابتني شابة بأنها لا ترى فارقا، فالأميركان برأيها صوتوا لأوباما لأن أمه بيضاء، وكانت شديدة الثقة برأيها رغم أنها لم تعرف أميركيا واحدا في حياتها.
وأخشى أن يكون الرأي العام العربي الأكثر تحفظا على انتخاب الرئيس الجديد، وهي ظاهرة أكثر غرابة من ظاهرة «الأوبامانيا» ذاتها، ولعل من أسبابها ما يلي:
أولا، نحن متعودون على الأخبار السيئة فظهور خبر سار يربكنا.
ثانيا، نحن متأكدون دائما من أن من صنفناهم أعداءنا هم أشرار بحكم الطبيعة والفطرة، فلا يمكن أن نقبل منهم عملا صالحا وإلا سقطت نظرياتنا وارتجت خطاباتنا. أميركا «الإمبريالية» ثم «الشيطان الأكبر» هي التمييز العنصري والتلوث وإطلاق النار في الشوارع والسياسات الخارجية المعادية للشعوب، فإذا تغيرت هذه الصورة ولو قليلا فقدنا مكانتنا كأكبر خصم لأكبر قوة في العالم وأكبر منتج على المستوى العالمي لخطابات الاستهجان والإدانة والتنديد بها.
ثالثا، لقـــد كــــان بوش الابن تعلة يتعلل بها كثيرون ولا تقدر قيمتها بثمن وقد استعملت لغايات متعددة. المتطرفون في الدين عندنا يقولون: لماذا تريدون أن نقلع عن التطرف ونميز بين الدين والسياسة والرئيس الأميركي يبدأ اجتماعاته بالصلاة والدعاء ويتحالف مع اليمين المسيحي المتطرف ويستشير الوعاظ الإنجيليين؟ وخصوم حقوق الإنسان يقولون: ماذا بقي من حقوق الإنسان بعد فضيحة معتقل غوانتانامو وسجن أبي غريب؟ وكأنهم قبل ذلك كانوا من دعاة حقوق الإنسان ومناضليه ثم صدمتهم هذه الأحداث ورجت قناعاتهم العميقة. وثمة أيضا الحمقى والفاشلون الذين يعتذرون عن حمقهم وفشلهم بأن القوة الأكبر في العالم اختارت رئيسا لم يُعرف بالضرورة بالثقافة الواسعة وحدة الذكاء. حتى مثقفو الحانات عندنا، وهي طائفة من المثقفين نتميز بها بين الأمم، أصبحوا فخورين بالعلاقة بين الإدمان والتنظير السياسي، حجتهم أن الرئيس الأميركي كان في يوم ما مصنفا بين المدمنين ولم يمنعه ذلك من أن يصبح أهم رجل في العالم.
من المفهوم حينئذ أن نهاية عهد بوش الابن وبداية عهد سياسي جديد في الولايات المتحدة الأميركية يقلق اطمئنان الكثيرين ويفوت عليهم تعلاتهم. ولئن كان من المتأكد في رأيي أن أوباما سيخيب أحلام وآمال الكثيرين في أميركا وفي العالم لأن السياسة لها أصولها وقواعدها التي لا تأبه بأحلام الحالمين وآمال الآملين، فإن الأكثر تأكدا هو أن باراك لن يمكن له أن يحظى على كل حال برضا الكثيرين عندنا، كيفما كان ومهما فعل، وهذه مسألة مبدئية غير مطروحة للنقاش، إلا أن نتصوره يحقق مجموعة من الشروط المستحيلة، منها مثلاً، تقديم اعتذار رسمي للسيد أسامة بن لادن على ما أصابه من ضيق بسبب سياسة مقاومة الإرهاب التي انتهجها سلفه، واستعادة تمثال صدام حسين الذي أسقطه الجنود الأميركان عند احتلالهم بغداد ونقله إلى نيويورك ليصبح محاذيا لتمثال الحرية، وقبوله تطبيق حد الردة عليه باعتباره لا يمارس شعائر الإسلام وهو المولود من أب مسلم. وبما أننا القوة الأكبر في المكابرة ومعاندة الوقائع فلن نفقد الأمل في أن تستجيب، يوما، القوة الأعظم لشروطنا مهما كانت بعيدة عن المعقولية.
:الحياة"




















