وليد شقير
«يحتار» اللبنانيون ومعهم قوات الأمم المتحدة وحتى كبار المسؤولين الحكوميين، السياسيين والأمنيين، في تفسير أسباب إطلاق الصواريخ المجهولة الهوية من لبنان، الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما حصل ليل الثلثاء الماضي. وهذه عمليات تكررت كثيراً في الأشهر الماضية، وبقي ما يجمع بينها مجموعة من الاستنتاجات والملاحظات، على رغم استمرار جهل الفاعل.
من هذه الاستنتاجات أولاً ان الصواريخ، على رغم مخاطر إصابتها مدنيين ما قد يستدرج ردوداً إسرائيلية عنيفة، نجحت حتى الآن في تقصّدها عدم إصابتهم، علماً أنها تؤدي الى أضرار مادية وأدت قبل أشهر الى إصابة مدنيين إسرائيليين بجروح طفيفة جراء تناثر الزجاج المحطم. وعندما يتقصّد مطلقو الصواريخ تجنب الإصابات في الأرواح، فمعنى ذلك أنهم يعرفون أين ستسقط ويدركون بدقة ماذا يفعلون. فعدم الإصابة في هذه الحال هو مثل الإصابة، يتطلب درجة من الاحتراف. وبالتالي فعلى رغم استحالة التحكم بمكان سقوط الصواريخ أساساً، يجعل تقصّد عدم إصابة مدنيين وعسكريين من هذه الصواريخ العشوائية، صواريخ ذكية، يتمتع من يطلقها بدرجة من الاحتراف في الحسابات. ويضاف الى هذا الاستنتاج ملاحظة أن ما يجمع بين عمليات إطلاق الصواريخ هذه انه في كل مرة يُترك صاروخ أو أكثر من دون إطلاق (في حادثة حولا أطلق صاروخ وتم اكتشاف أربعة كانت معدة للإطلاق). هذا فضلاً عن ملاحظة أنه في كل مرة تُترك المنصة الخشبية في مسرح العملية، لكي يسهل على المحققين القول إن العملية بدائية. وفي هذا أيضاً نوع من الاحتراف الذي يجعل من السلاح «البدائي» سلاحاً «ذكياً».
ثاني الاستنتاجات التي تجمع بين هذه العمليات أن إسرائيل تقوم برد أوتوماتيكي مبرمج تكنولوجياً. تفترض إسرائيل في هذا الرد أن مطلقيها يستخدمون منطقة غير مأهولة بحيث لا تصيب في ردها مدنيين، سواء لأن منفذي العملية لا يريدون ذلك أم لأن إسرائيل تفضل تجنب هذا الأمر تجنباً لعدم تسجيل خرق ملوث بالدماء من آلاف الخروق التي تقوم بها للسيادة اللبنانية. وهي تنفذ ردها لعلها تتمكن بطريقة عشوائية من إصابة مطلقي الصواريخ وهم يتوارون أملاً بكشف انتمائهم للعلن، إذا نجحت في إصابتهم. وفي هذه الحال يكون الرد محدوداً.
ويبدو من الاستنتاج الثالث أن الجامع المشترك بين هذه العمليات هو طبيعة ردود الفعل السياسية عليها، لا سيما من جانب إسرائيل، التي تحمِّل في كل مرة الحكومة اللبنانية المسؤولية، وهو وجه آخر لتجهيل الفاعل. فهي توزِّع الاتهامات، بلسان «مصدر عسكري»، ثم بلسان «متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي لإذاعة الجيش»، ثم بلسان وزير أو نائب وزير من الحكومة، على الظن بمجموعات فلسطينية، أو بـ «حزب الله»، أو بمجوعة أصولية، أو بلا أحد، وفقاً للظروف السياسية التي يجري في ظلها إطلاق الصواريخ. والأرجح أنه حتى لو عرفت إسرائيل من هو الفاعل فإن كشفها عنه يعني أنها دعته الى الاستنفار أو الاختباء لمواجهة هذا الرد، فيما قد تخطط لاستهدافه في الوقت الذي يناسبها. وفي حين لا هو ولا هي يريدان لإطلاق اشتباك ولو محدود أن يؤدي الى حرب، يشتبه الخصوم الإقليميون حتى الآن ببعضهم بعضاً حول من يريدها ومن لا يريدها، في اللحظة السياسية المحيطة بعملية إطلاق الصواريخ.
ما يجمع بين عمليات أمنية من هذا النوع كثير إذا أراد المرء القيام بجردة. وقد يكون أيضاً أن تجهيل الفاعل لعمل من هذا النوع، في بيئة سياسية وإقليمية سريعة الحركة ومتناقضة الاتجاهات (تتأرجح بين التفاوض والمواجهة)، يمكن أن يتم بصدور بيان يعلن المسؤولية عنه، بالإعارة.
قيل في العملية الأخيرة إنها رسالة رد على استباحة إسرائيل للمسجد الأقصى ودخول شرطتها باحة الحرم القدسي، وتحذير من ذلك. وقيل إنها رد على تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1559 حول استمرار سلاح الميليشيات في انتهاك القرار والسيادة اللبنانيين. وقيل إنها رسالة تنبيه واعتراض من الجهة المتضررة من التفاهمات السعودية – السورية حول القضايا الإقليمية ولبنان في قمة دمشق بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس بشار الأسد.
والجزم بأي من التفسيرات متروك لمن وجّهت إليه الرسالة لأن شيئاً ما حصل قبلها بين الجانبين. فمتلقي الرسالة «لبيب من الإشارة يفهم».
المهم ألا يستمر مطلق الصواريخ «الذكية» في استغباء اللبنانيين الذين يتلقون النتائج على الدوام.




















