السنيورة يعود بالتزامات جدية حول المحكمة واتفاق الدوحة
مع أن التقرير الذي سيصدره رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي دانيال بلمار في الساعات المقبلة سيأخذ حيزاً واسعاً من الاهتمامات، وإن تكن المعطيات المتوافرة تشير الى خلوّه من أي اسماء، فإن جوانب محتدمة من الوضع السياسي الداخلي عادت لتثير شكوكاً في الهدنة السياسية السائدة بين الاطراف في ضوء هذا الاحتدام.
وفيما عاد موضوع التنسيق الامني والعسكري مع سوريا ليشكل عنواناً كبيراً لخلاف داخل الحكومة والسلطة تبين انه لم يلق العلاج الجذري بعد، برز امس تطور آخر ألقى ضوءاً على عامل سلبي ربما ساهم في اذكاء الخلافات.
وتمثل هذا التطوّر في نقل السفير السعودي عبد العزيز خوجه احتجاجاً من المملكة العربية السعودية الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان على "بعض التصريحات التي تسيء اليها والى المسؤولين فيها". ولفتت اوساط معنية الى ان هذا الاحتجاج، بما شكله من خطوة نادرة لم تقدم عليها السعودية سابقاً، يعكس مؤشراً بالغ السلبية حيال تصاعد حملات يقودها زعماء وسياسيون معارضون وحلفاء لسوريا على المملكة وان الاحتجاج يعني بوضوح ان السعودية لم تعد قابلة باستمرار هذه الحملات من دون رد فعل متكافئ من الدولة اللبنانية.
والواقع ان الرئيس سليمان بادر الى اصدار بيان ندد فيه بالتعرض للسعودية والمسؤولين فيها، مشدداً على رفضه "التعرض بأي شكل من الاشكال للدول العربية ورؤسائها التزاماً للقوانين المرعية". كما اصدر وزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ بياناً دعا فيه الى "عدم التنكر لدور السعودية في لبنان الذي طالما تميّز بالدعم والمساندة والمساعدات الخيّرة فضلاً عن استضافة عشرات الالوف من اللبنانيين الذين يعملون في المملكة".
اما في موضوع التنسيق مع سوريا، فتضمن البيان الذي اصدرته الامانة العامة لقوى 14 آذار، اثر اجتماعها امس، حملة حادة على النظام السوري من غير ان يغفل ملاحظاته ومآخذه على زيارات مسؤولين، سياسيين او عسكريين او امنيين، لدمشق واتهمت قوى 14 آذار النظام السوري بـ"تحريف المسعى لتصحيح العلاقات" بين البلدين، و"التفلت منه والسعي البائس الى استئناف العلاقات ضمن الآليات والاطر والاعراف التي كانت سائدة اثناء فترة الوصاية". وطرحت معايير لزيارات المسؤولين لسوريا من ابرزها "موافقة مجلس الوزراء المسبقة على الزيارة وجدول اعمالها وبرنامجها، واطلاع مجلس الوزراء على نتائجها والموافقة على تلك النتائج".
وفي موقف منفصل عن هذا البيان، ذهب رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط الى التحذير من "ارباك سوري مع اقتراب انطلاق المحكمة الدولية بما يدفع النظام السوري مجدداً الى توظيف ورقة الارهاب واستخدامها لمصالحه المباشرة". واثار جنبلاط شكوكاً في شأن وقائع امنية حصلت اخيراً، متسائلاً عما "اذا كان هدفها تأكيد النظرية السورية ان لبنان هو مركز للارهاب من اجل تحويل الانظار عن الملفات العالقة بين البلدين ولا سيما تحديد الحدود ثم ترسيمها" وسواها من الملفات.
غير ان وزير الدفاع الياس المر، الذي اكد انه يعد جدول اعمال زيارته المرتقبة لسوريا، رد على بيان قوى 14 آذار بقوله ان "الذين يهاجمون او غالبية الذين هاجموا وزير الداخلية او قائد الجيش لزيارتيهما لسوريا يهاجمون بالوكالة وليس بالاصالة لان هناك فريقاً دفع دماً في البلد". واضاف: "انا لا احد يستطيع ان يزايد علي (…) وآمل ان تتوقف المزايدات وألا أسمع الانتقادات اذا حصلت زيارتي لسوريا، فإذا كان احد يستطيع ان يدافع عن مصالح البلد اكثر فليقل ذلك صراحة".
زيارة عون
وسط هذه الاجواء علمت "النهار" ان وفداً كبيراً يضم نواباً من "تكتل التغيير والاصلاح" واعضاء في "التيار الوطني الحر" واداريين وصحافيين واعلاميين سيتوجه بعد ظهر اليوم الى دمشق ايذاناً بوصول العماد ميشال عون الى سوريا في زيارة غير مسبوقة منذ تعيينه رئيساً للحكومة الانتقالية في عهد الرئيس امين الجميل عام 1988. وفيما لم يعلن عون موعد زيارته تحديداً، أفادت المعلومات المتوافرة لدى "النهار" ان الزيارة ستمتد على الأرجح من الاربعاء الى الاحد بحيث يعود الى لبنان عشية عيد الأضحى.
وستنقسم الزيارة قسمين، احدهما يتضمن لقاءات مع الرسميين السوريين الكبار وفي مقدمهم الرئيس السوري بشار الاسد، فيما القسم الآخر يتناول زيارات لاماكن دينية مسيحية ولقاءات شعبية وندوات صحافية.
ورد عون امس على منتقدي زيارته ساخراً من "جهلهم للتاريخ المسيحي". ورأى ان لزيارته "قيمتين، الاولى بما امثّله في لبنان، والثانية تتعلق بنظرتهم (السوريين) على ما أمثل"، واصفاً الزيارة بأنها "للتعارف والصداقة أولاً، وتقديم المقاربات لمختلف المواضيع ثانياً". وأضاف: "أنا ذاهب الى سوريا ورأسي مرفوع والناس يستقبلونني بتقدير واحترام لانني كنت خصماً وعندما انتهت الخصومة ممكن ان اتحول صديقاً".
لقاءات قطر
وفيما يتوجه الرئيس سيلمان اليوم الى المانيا في زيارة رسمية، في اطار تحركه الخارجي لدى دول غربية وعربية واقليمية، عاد رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة مساء أمس من قطر حيث شارك في مؤتمر المتابعة الدولي لتمويل التنمية، وعقد على هامشه لقاءات سياسية بارزة.
وقالت مصادر الرئيس السنيورة لـ"النهار" إن اللقاءات التي عقدها والوفد الوزاري المرافق له كانت مفيدة ومهمة على اكثر من صعيد. واعتبرت ان لقاء السنيورة والامين العام للامم المتحدة بان كي – مون كان مهماً جداً اذ اظهر الامين العام جدية تامة ومتابعة كاملة لموضوعي المحكمة الدولية وقرية الغجر والمماطلة الاسرائيلية في الانسحاب منها. وأضافت ان بان اكد التزام الامم المتحدة انطلاق عمل المحكمة الدولية بجدية في الأول من آذار وعرض للوفد اللبناني التحضيرات القائمة في هذا المجال. ووصف احد أعضاء الوفد الاجتماع مع بان كي – مون بانه من افضل الاجتماعات واكثرها جدية في موضوع المحكمة.
اما في موضوع قرية الغجر، فأبدى الامين العام انزعاجاً واضحاً من المماطلة الاسرائيلية في موضوع الانسحاب منها على رغم التحضيرات التي اقيمت في هذا الصدد.
وقالت مصادر رئيس الوزراء إن مشاركة لبنان في مؤتمر المتابعة الدولي لتمويل التنمية اتاحة للوفد اللبناني الاطلاع على آخر الاجواء العربية والدولية في ما يتعلق بالتعامل مع الازمة المالية العالمية، وهي اجواء دلت على ان تداعيات هذه الازمة لم تنته بعد بل ثمة تداعيات مقبلة على المستوى الاقتصادي من حيث الركود وضرورة التعامل معها بحذر في الخطوات المالية. وأشارت المصادر ايضاً الى ان المحادثات التي اجراها السنيورة مع المسؤولين القطريين عكست مضي قطر في دعم لبنان لتطبيق اتفاق الدوحة ومتابعة التطورات الجارية في لبنان والحض على ترسيخ اجواء الحوار والتهدئة للعبور الى مناخات افضل.
"النهار"



















