إذا استخدمنا مفاهيم ومصطلحات من ينظرون الى العالم كـ «حضارات»، والى الأديان كمكوّن أساسيّ لـ «الحضارات» تلك، داهمتنا أسباب ينبغي أن تقلق أهل «الحضارة الإسلاميّة» وورثتها. وهذا لا يعني الموافقة على تلك المفاهيم والمصطلحات أو الذهنيّة التي تسندها، أو إهمال التحفّظات الوجيهة التي تناولتها، لا سيّما اعتبار «الحضارة» أقرب الى جوهر ثابت، واعتبار أهلها أقرب الى وحدة متراصّة. لكنّه، في المقابل، لا يعني التجاهل الكامل للرؤية تلك وإلغاءها بذريعة «الاستشراق»، خصوصاً في حقبة «صعود الهويّات» وضمور الأصوات النقديّة داخل «الهويّة» و «الحضارة» الواحدة، لا سيّما تلك الإسلاميّة.
فنحن، هنا، حيال واحد من أبعاد كثيرة ومعقّدة للتعريف الذاتيّ، وتالياً للعلاقات بين ذوات جماعيّة مختلفة. غير أنه بُعد قائم.
على ضوء ذلك، وعلى أضواء أخرى لا تُحصى، يصحّ الهلع في النظر الى العمليّة الإرهابيّة الأخيرة في مدينة مومباي بالهند، بعد سلسلة تفجيرات وانتهاكات تبنّتها جماعات نسبت نفسها الى الإسلام، واتّصلت، الى هذا الحدّ أو ذاك، بتنظيم «القاعدة».
ذاك ان نشاطاً كهذا يشعل الحدود المشتركة بين «الحضارتين» الإسلاميّة والهندوسيّة، خصوصاً إذا ما توّجته حرب باكستانيّة – هنديّة جديدة. واحتمال كهذا إنّما يؤجّج اشتعالاً تقيم مقدّماته لا في المشكلة الكشميريّة فحسب، بل في الحرب الأهليّة التي حكمت نشأة باكستان، في 1947، بوصفها دولة المسلمين في شبه القارّة الهنديّة وما لحق ذلك من حروب.
وغنّي عن القول إن العلاقة بين «الحضارتين» الإسلاميّة واليهوديّة في غاية السوء، إنْ لم يكن القطيعة. وإذا كان للنزاع العربيّ – الإسرائيليّ دور التأسيس في ما آلت إليه الأمور، فإن الأسلمة المتعاظمة للموضوع الفلسطينيّ تفاقم العداء وتغذّيه بأسباب جديدة أشدّ نشاطاً، بلا قياس، من عمليّة التسوية الراكدة وما يتّصل بها. أما مع «الحضارة المسيحيّة» فالأمور ليست أحسن كثيراً، وإنْ شذّبتها الدول والمصالح والقنوات السياسيّة والديبلوماسيّة فامتصّت بعضاً من حدّتها. وهذا أيضاً يجد ما يعزّزه في تديين النزاعات السياسيّة والميل الى إضفاء الجوهريّة عليها بحيث يتنامى الربط بين مشكلات راهنة في فلسطين والعراق وغيرهما وبين الحروب الصليبيّة والكفر والإيمان. ويُخشى مع تمادي الأزمة الاقتصاديّة الراهنة وما ينجرّ عنها من بطالة تتّسع رقعتها، أن تتردّى العلاقات أكثر فأكثر بين المجتمعات الأوروبيّة والعمالة الوافدة إليها من بلدان العالم الإسلاميّ.
وداخل «الحضارة المسيحيّة»، لا تخفى بؤر التوتّر مع «الحضارة» الفرعيّة للمسيحيّة الشرقيّة، وإن حجبها نسبيّاً الإعجاب المتّسع بفلاديمير بوتين وما يُنسب إليه من إنهاض روسيا في مواجهة الغرب. فمن قبرص الى البلقان فالشيشان ثمة أكثر من نزاع ضامر أو قليل التفجّر من دون ما يثير الاطمئنان الى خموده.
فإذا ملنا الى الجيران المباشرين، أي أهل «الحضارة» الأفريقيّة، أو «الحضارات» في حال اعتماد المعيار الدينيّ، اتّخذ العنف شكلاً صريحاً في السودان وفي نيجيريا، من دون أن يلغي صراعات مسلمة – مسلمة تتقاطع مع الانقسامات الإثنيّة، على ما هو دائر في دارفور بالسودان، ناهيك عن مسألة تجارة العبيد المخجلة على ما هي الحال في موريتانيا وغيرها. فإذا كان الاستقبال العنصريّ الذي هيّأه أيمن الظواهري لباراك أوباما عريض التمثيل، حقّ للقلق أن يصير هلعاً.
والجبهات الحدوديّة المشتعلة أو الملتهبة هذه لا تكفي دائماً لتمييز صاحب الحقّ عن صاحب الخطأ، غير أنها كافية لإثارة قلق صحيّ لا يبدو، بناءً على فتور استجابتنا لمومباي، انه يراودنا.



















