لكل رئيس أميركي، وغير أميركي، أهداف اقتصادية عامة. ووفقاً لذلك يحتاج كل رئيس إلى من يساعده أولاً في صوغ أهدافه بوضوح وثانياً إلى من ينفذها.
وفي الماضي كان وزير الخزانة هو الناطق باسم إدارة أي رئيس اميركي في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية إلى أن أنشأ الرئيس بيل كلينتون، داخل الديوان الرئاسي ما سمي منذ 1993 «المجلس الوطني للاقتصاد»**. وكان الرئيس كلينتون عين روبرت روبن، أحد كبار التنفيذيين في «غولدمان ساكس» رئيساً لذلك القسم المستحدث للتنسيق بين منفذي الشؤون المالية والنقدية الأميركية.
وسرعان ما اتضح أن المنسق صار هو الناطق باسم الإدارة في الشؤون الاقتصادية كافة، حينما كان لويد بنسن وزيراً للخزانة، مع العلم أن بنسن كان شخصاً مرموقاً مثّل ولاية تكساس في مجلس الشيوخ قبل أن يختاره والتر مونديل مرشحاً لنائب الرئيس، عن الحزب الديموقراطي في انتخابات 1988، التي فاز فيها الرئيس جورج بوش الأب. وانتهى ذلك الوضع غير المألوف في تاريخ الدولة الأميركية منذ أيام جورج واشنطن، وحتى إنشاء «المجلس الوطني للاقتصاد»، وعادت الأمور إلى نصابها، وصار وزير الخزانة هو صوت الإدارة ووجهها، في كل ما له علاقة بالسياسة الاقتصادية، حين تمّ تعيين رئيس قسم إدارة «المجلس الوطني للاقتصاد»، روبرت روبن ذاته بشحمه القليل ولحمه الضئيل وزيراً للخزانة.
والمراد قوله إن رئيس «المجلس الوطني للاقتصاد» سيكون الشخص ذا النفوذ الأكثر في الشؤون الاقتصادية كافة، ما دام من يتولى التنسيق في الشؤون الاقتصادية شخص مسلح بمعرفة اقتصادية ميدانية وقرب من رئيس الجمهورية ورئيس «ديوان» البيت الأبيض.
وقبل الحديث عن علاقة كل ما تقدم بسياسة أوباما الاقتصادية، ينبغي التذكير بأن الرئيس المنتخب لا يتولى السلطة الفعلية، أياً كان شخص الرئيس، إلا الساعة الثانية عشرة ظهراً بتوقيت واشنطن العاصمة يوم 20 كانون الثاني (يناير) المقبل، وبسبب الكارثة الاقتصادية، التي يمر بها العالم حالياً، وبما أن قيمة الناتج الاقتصادي الأميركي تمثل ما يزيد قليلاً على ربع الناتج الاقتصادي الكلي للعالم أجمع، فإن الرئيس الأميركي المنتخب وجد نفسه مضطراً للإعلان عن أسماء من سيختارهم لتنفيذ سياسته الاقتصادية يوم الاثنين 25 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أي قبل تنصيبه القانوني والفعلي بـ57 يوماً.
وأعلن باراك أوباما أربعة أسماء، لامرأتين ورجلين. ولجميعهم نجاحات ميدانية متفاوتة في الشؤون الاقتصادية كافة. والأهم من بين الأربعة: لورنس سامرز الذي سيتولى رئاسة «مجلس الاقتصاد الوطني»، وتيموثي غايثنر المرشح لوزارة الخزانة إذا وافق مجلس الشيوخ على تعيينه. وكان غايثنر مساعداً لسامرز حين كان هذا الاخير وزيراً للخزانة في عام 1999، في عهد الرئيس بيل كلينتون، قبل تعيينه رئيساً للفرع الأهم من فروع «البنك المركزي» الاحد عشر، أي فرع نيويورك.
وفرع نيويورك هو الأهم لسببين رئيسيين. الأول أنه فرع المركزي الذي يتولى بيع أو شراء، بحسب الأحوال، سندات الخزانة الأميركية. ويتم بيع السندات حينما يراد سحب السيولة من الأسواق، أي إنقاصها. ويتم شراء السندات، حينما يراد زيادة السيولة، إذ أن المركزي يعوض بائعي السندات بدولارات يعطيها في مقابل إعادة السندات إليه. ومن أين يأتي «المركزي» بالدولارات؟ ببساطة كل فرع من «المركزي» يأمر بطبع ما يحتاج إلى طبعه من الدولارات لدفع ثمن ما يشتريه من «السندات».
والسبب الثاني لأهمية فرع نيويورك، أن مدينة نيويورك هي أكبر وأهم سوق مالية في أميركا وفي العالم أجمع. وكل ما يتم فيها من معاملات مالية يعرف عنها فرع المركزي في نيويورك قبل أي سلطة نقدية أخرى في أي مكان في المعمورة.
ومن شبه المؤكد أن غايثنر سيواجه مساءلة شرسة من أعضاء مجلس الشيوخ، حينما يمثل أمامهم لمناقشة ملاءمة الموافقة على ترشيحه وزيراً للخزانة. فهو الرئيس المباشر للرعاة الذين ناموا عن الإبل التي عبث بها من ولدوا «المشتقات»، وغيرها من أسلحة الدمار الشامل لقنوات التداول المالية.
ومع أهمية وزارة الخزانة الأميركية فإن غالبية المتابعين ترجح أن ربان سفينة أوباما الاقتصادية سيكون أحد موظفي البيت الأبيض لا أحد أعضاء الحكومة. أي سيكون لورنس سامرز تماماً كما كان روبرت روبن، حين كان رئيساً لـ «المجلس الوطني للاقتصاد». والأسباب كثيرة لترجيح سيطرة سامرز على الشأن الاقتصادي. ولعل أهمها تجربته السابقة منذ عهد الرئيس ريغان وإلى أن تولى وزارة الخزانة عام 1999، بعد أن عاد روبن الى القطاع الخاص في المتابعة اليومية لنواحي الاقتصاد الأميركي كافة. وإضافة إلى تجربته الميدانية الطويلة، فهو من أعرف المهنيين المرموقين في «النظرية الاقتصادية». في البدء انضم إلى جامعة «أم. آي. تي» لدراسة الفيزياء ثم تحول إلى دراسة علم الاقتصاد إلى أن أنهى دراسة الدكتوراه من قسم الاقتصاد في جامعة هارفارد. وعلى رغم اختلاف الاسم فهو ابن أخ عالم الاقتصاد الشهير بول ساميلسون وابن أخت كينيث أرو، الاقتصادي الرياضي الذي فاز بجائزة «نوبل» في علم الاقتصاد التي ظفر بها ساميلسون قبله ببضعة عشر سنة . وإضافة إلى أن عم وخال سميرز اقتصاديان من مستوى حاملي جائزة «نوبل» فإن والده ووالدته كانا أستاذين لعلم الاقتصاد أيضاً.
أما دور محافظ «المركزي» السابق (1979-1987) بول فوكر الذي طلب منه أوباما الإشراف على مجلس اقتصادي استشاري «مستقل» تماماً، عن البيروقراطية الحكومية، مكون من خبراء من القطاع الخاص ومن قادة تنفيذيين سابقين لا ناقة لهم ولا جمل في الدفاع أو مهاجمة أي سياسة اقتصادية ستتخذها الإدارة، فسيكون استشارياً بحتاً لا تنفيذياً. ولذلك وعد الرئيس بأن يأخذ «المجلس الاستشاري» مأخذ الجد، لأنه يعكس آراء جهات محايدة، وفي الوقت ذاته محل ثقة غالبية من يهمهم الشأن الاقتصادي، ما دام رئيسها رجلاً في قامة العملاق جسداً وفكراً بول فوكر الذي لا يقل طوله عن مترين وتجاوزت تجربته الميدانية نصف قرن.
ولكن مثل هذا المجلس الاستشاري، وبطبيعة الأمور لن يكون الموجه اليومي للسفينة، ولا المشرف المباشر على سرعة أو بطء حركتها.
وملخص القول سيكون غايثنر وزيراً للخزانة وربان السفينة الاقتصادية شكلاً. أما «قيصر» السياسة الاقتصادية وربان السفينة فسيكون سامرز المعروف بسرعة نفاد صبره، حينما يشعر باختلاف أطوال الموجات الذهنية بينه وبين محادثه.
ولم يأت ذكر محافظ «المركزي» الحالي بن فرنانكي في هذا السياق، لأن محافظ «بنك الاحتياط الفيدرالي» كما يسمى المركزي في أميركا ليس مجرد موظف حكومي تابع للإدارة. وإنما شخص يرشحه الرئيس، وإذا وافق الكونغرس على الترشيح، تحول إلى مسؤول مستقل لا يستطيع أي رئيس فصله، مثله مثل أعضاء المحكمة العليا. إذاً محافظ «المركزي» ليس جزءاً من الإدارة، على رغم أهمية السياسة النقدية التي ينبغي أن يدير دفتها من دون أية مؤثرات سياسية.
والله من وراء القصد.
* أكاديمي سعودي.
** هذا المجلس الذي تمّ إنشاؤه عام 1993 National Economic Council ، حينما يترأسه شخص كروبرت روبن في عهد الرئيس كلينتون أو كسامرز في عهد أوباما، كان وسيكون أهم بكثير من Council of Economic Advisers، الذي تم إنشاؤه في 1946 في عهد الرئيس ترومان، وهو مجلس يتكون عادة من الأكاديميين من أساتذة الجامعات المرموقين ودوره إعطاء تقارير تصف الوضع الاقتصادي.
"الحياة"



















