لا يزال المفكر الألماني الكبير، فريدريك نيتشه، يلقي بظله الثقيل على المفاصل الحيوية للتيارات الفلسفية المعاصرة. هذا من نافل القول، على الأرجح. ومع ذلك، قد تبدو هذه العقلية المتميزة بإرثها النظري، معنية بشكل أو بآخر، خصوصاً من قبل منظومة واسعة من المفكرين والمثقفين الأميركيين الذين يعزون اليه المساهمة في تشكيل مفهوم الدولة السلطوي وفقاً للنموذج النازي على سبيل المثال. لا يهم كثيراً ما اذا استمر تغييب هذا المفكر او استعادة نظرياته وفقاً لمناسبات ومواسم مفترضة أو حقيقية. الأغلب انه ماثل في كل الأدبيات الفكرية والنقاشات الفلسفية في الغرب والشرق على حد سواء. مرد ذلك الى منهجه التأويلي المتماسك الذي يعيد الاعتبار الى اللغة على قاعدة انها متحولة، نابضة بالحياة، لا تخضع لبنية المؤسسة الجامدة.
بهذه الأدوات النظرية الفذة، راح الفكر النيتشوي يرتحل تدريجياً نحو الوطن العربي، مطلع القرن العشرين. وبدا التأثير الذي خلفه في الفكر العربي المعاصر، أسوة بمثيله الغربي، واضحاً لا نقاش فيه؛ بدليل انه استطاع ان يجتذب اليه عدداً كبيراً من المتحمسين في صفوف المثقفين العرب. يرى مؤلف الكتاب ان النجاح الاستثنائي الذي حققه نيتشه في المنحى العربي يظهر من خلال دعوته الى السمو بالحياة ومناهضة القيم التي لم تعد في نظره منسجمة مع احوال العالم المعاصر. على هذا الاساس، يرى المؤلف ان اندفاع المفكرين والمثقفين العرب، اتخذ موقفاً منسجماً مع هذه التوجهات التي ساهمت في عملية اعلان التمرد على التقاليد البالية والانحطاط الثقافي والسياسي والاجتماعي.
مطلع القرن العشرين
يسعى المؤلف، في دراسته هذه، الى تقديم تحليل لهذا الاستنهاض للفكر العربي، اضافة الى شرح موضوعي للاسباب التي جعلت الفكر النيتشوي رائجاً على ساحة الفكر العربية. يعالج هذه المسألة الهامة بدءاً من مطلع القرن العشرين، خاصة في العقد الأول منه، اي بعد وفاة نيتشه بقليل. ومن ثم خفض وتيرة التأثر به حتى كاد ان ينضب، وبعد ذلك عودة بروز نجمه من جديد في عقد الخمسينات الماضية. أعقب ذلك انفجار مدو لانتاجه الفلسفي في تسعينات القرن الماضي. ولا تزال هذه الموجة سائدة حتى اليوم.
من بين الاسماء اللامعة التي رحبت بنيتشه بدءاً من مطلع القرن العشرين، مفكرون عرب من أمثال: فرح انطون، سلامة موسى، عبد الرحمن بدوي وسواهم. ومع ذلك، يقدم فرح انطون نيتشه بكثير من الحذر، يقول: ان مبادئ هذا الرجل تحتوي على كثير من الحقائق الضرورية للحياة، وعلى ابناء الشرق أن يطلعوا عليها ليشددوا نفوسهم بها. بدوره، انكب سلامة موسى على قراءة نيتشه بشكل معمق متذرعاً بضرورة الخلاص من أسر الفكر الغيبي الذي كان لا يزال، في تلك الأثناء، ثقيل الوطأة بتأثير مباشر من الحقبة المديدة لانقطاع العرب والمسلمين عن العالم المعاصر. دعا موسى الى وجوب التحرر الفوري من مفاهيم العبودية الفكرية، والوهم والخرافات والاساطير لإطلاق عجلة التقدم الاجتماعي والبدء في تطبيق مبادئ العلم.
مفكر عربي آخر بدا مهتماً بنيتشه اهتماماً ملحوظاًَ مطلع الحرب العالمية الأولى هو مرقص فرج بشارة. وقد ألف كتاباً عن نيتشه طبع في مدينة الاسكندرية المصرية. ولم يشر اليه المعنيون بهذا الفكر الا لماماً من دون ان يسبغوا عليه حقه. يقول بشارة في مقدمة الكتاب: لست بإخراجي هذا الكتاب غلا ناقلاً لقراء العربية اكبر اثر من آثار النهضة العلمية الحديثة في اوروبا. وقر رمي هذا الرجل بالعدمية وحب الذات، غير ان القارئ المتثبت لا يرى شيئاً من ذلك في كتاباته مطلقاً. وعلى الرغم من ان المفكر عبد الرحمن بدوي حاول الا يضفي على نفسه صفة النيتشوية او الاحتذاء بها، الا انه لم يستطع الا ان يدعو ابناء جيله الى اتخاذ العقل بضمونه الأوروبي مادة للاستلهام الثقافي اسوه بالمبادئ النيشتوية. والأغلب ان المشروع النهضوي وفقاً لبدوي يقوم، بالدرجة الأولى، على التأثر بالفكر النيتشوي خصوصاً على صعيد تبديل القيم القديمة بأخرى جديدة هي من نسيج الانسان المعاصر. وهو مشروع، في الوقت عينه، يستند الى القوة التي تنطوي على تأويل جديد للحياة وهي تتطور الى الأمام من دون توقف أو تعثر.
يعالج المؤلف هذه القضايا الشائكة والمعقدة من خلال هؤلاء المفكرين العرب الذين وفدوا الى الساحة الفكرية بين الحربين العالميتين. في تلك الأثناء الصعبة كان الوطن العربي يرزح تحت نير الاستعمار المباشر وتداعياته المتعددة المتمثلة على نحو أساسي في تكوين الحركة الوطنية بسائر شرائحها سعياً الى الاستقلال والتحرر السياسي. لذا نجد هؤلاء مدفوعين تلقائياً، على الأغلب، لرفع الشعارات النيتشوية، من أكثرها أهمية على الاطلاق الحرية والتحرر وإعادة الاعتبار الى القيمة الانسانية للفرد والحد من سلطة الجماعة التقليدية والتصدي للجهل والخرافات على انواعها. واللافت، على هذا الصعيد ان الاكثرية الساحقة من المفكرين العرب الذين رفدوا حركة التحرر الوطنية وساهموا في استنهاض الفكر العربي، راحوا يطرحون المبادئ النيتشوية تحت غطاء القضايا السياسية. كان الظاهر من الترحيب الشديد واحياناً منقطع النظير بهذا الفيلسوف المتميز، هو استخدام افكاره على نحو من انتهازية مبررة، اذا جاز التعبير، من اجل الخروج من حالة التخلف والبدء بعملية اصلاحية ضخمة للبنى الاجتماعية.
المنهج التأويلي
استدرج الفكر النيتشوي المثقفين العرب بدءاً من مطلع القرن وصولاً الى اللحظة الراهنة، على قاعدة منهجه التأويلي الذي يؤدي الى الاعتقاد بان الوجود برمته ليس واقعاً خاماً او عبارة عن "مواد صلبة" غير قابلة للتبدل والتحول. ليس الامر كذلك ابداً. فقد عمد نيتشه، في هذا السياق، الى اعادة تشكيل اللغة وفقه اللغة باعتبارها الشعارات النيتشوية، من أكثرها أهمية على الاطلاق الحرية والتحرر وإعادة الاعتبار الى القيمة الانسانية للفرد المفتاح الاساسي لإعادة قيمة الاشياء متوقفة على المعنى الذي نعطيه اياها. فما من حدث او ظاهرة او كلمة او فكرة، في هذا الاطار، إلا وله معان مختلفة. فهذا الشيء هو كذا حيناً، وكذا احياناً، او ان له من المعاني بقدر ما توجد قوى قادرة على الاستيلاء عليه. كان نيتشه يقول، في هذا المجال على سبيل المثال، انه ليس لأي معتقد أو فكرة او منظومة من الافكار معنى واحد. من هنا، جاء النظر الى الظواهر، على اختلاف هيئاتها ومضامينها ومفاهيمها، على انها لغة. فهي، في هذا الاطار، لا تعبر عن شيء محدد، وانما هي تدل على معان مختلفة وتشير اليها، بشكل او بآخر.
لغة وراء اللغة
على هذا الاساس، يبدو واضحاً، وفقاً لهذا المنهج التأويلي، ان تعدد المعاني المتعلقة بأي من الاحداث والمظاهر والافكار، امر يظل صامتاً بالنسبة الى المتلقي. يعزى ذلك الى ان المعنى الذي ندركه ويتجلى لنا مباشرة، قد لا يكون في الحقيقة إلا معنى أضعف يخفي وراءه معنى آخر ويغلفه برداء شفاف. وهذا يؤدي الى الاعتقاد بأن اللغة غالباً ما تتجاوز صورتها اللفظية الصرف. أو ان ثمة اشياء اخرى تتكلم من دون ان تكون لغة كغريزة السيطرة، على سبيل المثال، التي تتخفى وراء الكلمات. وهذا يفضي، نتيجة لهذه النظرية المعقدة، الى القول بأن ثقافة الانسان اللغوية سيئة، او مشوهة الى حد كبير. او الى الظن بان اللغة تنطوي على خيانة ما في مكان ما، لأنها تصور لنا عالماً من الاشياء يخفي في طياته عالماً آخر من المعاني أكثر صدقاً واقتراباً من الحقائق المفترضة. استرعت هذه المفاهيم المغايرة انتباه مثقفين عرب كان لديهم هذا الهاجس بالتحديد على خلفية المخاض الاجتماعي والسياسي والفكري الذي كان سائداً بدءاً من مطلع القرن العشرين. والاغلب ان اكتشاف الفكر النيتشوي من قبل هؤلاء المثقفين الطامحين، في تلك الاثناء، الى قراءة منطقية مختلفة للحركة الاجتماعية السياسية، بدا امراً تلقائياً بمقاييس تلك الفترة.
فنيتشه، في نظر هؤلاء، لم يكن معنياً فقط بدراسة المسار التاريخي لنشوء المفاهيم، بل كان أميل الى الكشف عن النوازع الحيوية التي تقف وراء اللغة على نحو يتماثل مع محاولة البحث عن الجذور، انسجاماً مع التساؤل الآتي: كيف يمكن ان يظهر اي شيء من ضده؟ وهل يقيّض للحقيقة، مثلاً، ان تخرج من البطلان؟ وهكذا دواليك. كان نيتشه يدرك، في العمق، خطورة هذا التساؤل. لذلك اعتبر ان منهجه المستجد بمثابة حافز قوي يدفعه الى نقد كل القيم من دون استثناء. والارجح ان هذا التساؤل البنيوي رافق نيتشه طوال مراحل حياته بدءاً من سنوات دراسته الاولى: ما هو الاصل الذي ينبغي ان نعزو اليه، في نهاية المطاف، ما لدينا من افكار حول الخير والشر، وفي أي شروط عمد الانسان الى اختراع مقياسي الخير والشر بغية استخدامهما في حياته؟ وما هي قيمة هذين المعيارين في حد ذاتهما؟ وهل أديا، حتى اليوم، الى عرقلة تطور البشرية ام الى تعزيز هذا التطور؟ هل هما عارض من عوارض البؤس والفقر الروحي والانحطاط؟ ام انهما ينمان، على نقيض ذلك، عن الغبطة والقوة والعزم على العيش والشجاعة والثقة بالحياة؟
بدا هذا الانفتاح الجزئي على الفكر النيتشوي، منذ مطلع القرن العشرين، استجابة لتساؤلات غامضة، غير انها حقيقية لأنها كانت تعتمل في نفوس المثقفين العرب من ذوي التوجهات الحداثوية. وبعد ذلك، تحولت هذه التساؤلات ضرباً من الافكار ذات المنحى الداخلي العميق، لأنها راحت توظف على نحو مختلف بقصد احداث تغيير جذري في حالة المجتمع العربي. واللافت ان هذا الفكر التأويلي الذي ساهم نيتشه في ارساء مرتكزاته الاولى، لا يزال فاعلاً في الثقافة العربية حتى اليوم، وسيبقى الامر كذلك في ظل افتقار المناخ الثقافي العربي الى ما يحرك فيه مياهه الراكدة.
[ الكتاب: الارادة والتأويل
[ الكاتب: جمال مفرج
[ الناشر: بيروت، الدار العربية للعلوم ناشرون، 200
"المستقبل"



















