طويت صفحة الاتفاق الأمني مع واشنطن وفُتحت ملفات الصراع السياسي في العراق، وعليه، على مصراعيها لتدخل البلاد مرحلة جديدة لا تشبه ما سبقها وربما تكون اشد خطورة منها.
فعلى رغم الضجيج والمناحرات والمناكفات التي سبقت التوقيع في البرلمان، ظهر جليا بعدما تسابقت الكتل النيابية الثلاث الكبرى التي تمثل الشيعة والسنة والاكراد على مصادقتها عليه، ان ما جاء في الاتفاق الامني من بنود وخفايا وخبايا ومخاطر على المستقبل، لم تكن هي التي تهم السياسيين العراقيين، بمقدار ما كان يهمهم تحقيق مكاسب فئوية ضيقة على حساب الاتفاق وعلى ظهره، وعلى حساب المصلحة الوطنية.
قبل اسبوع من المصادقة على الاتفاق، كان بعض النواب الذين عادوا وذيلوا النص بتواقيعهم، ينعتون الاتفاق بانه "اتفاق الذل والخيانة". وفجأة اختفى "الذل والخيانة" وصارت المعادلة: "نقبل بالاتفاق اذ تحققت مطالبنا"، وليس اذا ضمن الاتفاق السيادة والاستقلال والوحدة. و"مطالبنا" هذه لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بالسيادة والاستقلال والكرامة الوطنية، بل بمصالح حزبية وفي بعض الاحيان المصالح الشخصية.
ومن المضحك المبكي ان التركيز انصب على الجانب الامني الذي صُوّر كأنه الجانب الاخطر، في حين ان الشق الاشد خطورة غاب تماما عن التداول والنقاش، ونعني به الشق الاستراتيجي الذي يربط العراق بالولايات المتحدة ثقافيا واقتصاديا وعلميا وتربويا على حساب هويته ومكوناته الحضارية الخاصة به !
من الطبيعي ان يكون الاكراد، حلفاء واشنطن الابرز في العراق، اكثر المتحمسين للاتفاق نظراً الى مصلحتهم الاكيدة فيه كون "الصداقة" مع الولايات المتحدة وبقاء الوجود العسكري الاميركي هما الضمان الوحيد للحفاظ على حكمهم الذاتي وتطويره. غير ان الاكراد كانوا آخر الموقعين بعدما لمسوا الحاجة الماسة للاحزاب الشيعية الحاكمة الى غطاء وطني جامع للاتفاق، فراحوا يساومون: التوقيع في مقابل قانون المحافظات الذي يضمن سيطرة كردية على مناطق جديدة محاذية لكردستان.
كذلك السنّة، وإن كانوا لا يكنون الود للاميركي الذي ازاحهم بغزوه عن مكانتهم السياسية، فانهم لا شك يفضلون بقاء الاميركي الف مرة قبل ان يبسط الايراني سيطرته الكاملة على العراق، وتاليا كانوا يدركون ان الاتفاق هو افضل الممكن. ولكن لمَ لا نأخذ من الشيعة تنازلات سياسية ثمنا اضافيا لتوقيعنا الاتفاق؟
والشيعة الذين يخشون ان تتكرر نكستهم التاريخية في 1920 مع البريطانيين، عام 2008 مع الاميركيين، فعلوا ما فعل السنة في بداية القرن الماضي عندما قبلوا بأي شيء في مقابل محافظتهم على السلطة في يدهم بعدما ابعدوا عنها طويلا.
العراق الجديد الذي تأسس من منطلق الطائفة والعرق على حساب المواطن، والمحاصصة على حساب المشاركة، والتوافق على حساب الديموقراطية، والخوف من الآخر على حساب التعايش معه، فمن الطبيعي ان ينتج طبقة سياسية تقدم الفئوي على الوطني، والمصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
المخاض الاول لهذه الطبقة كان دموياً، لكأن الدم الغزير الذي نزف لم يكن كافيا لجعل العراق يستقر.
واليوم، بعدما خطا الاميركي الخطوة الأولى نحو الانسحاب وترك العراقيين يتدبرون امرهم بأنفسهم بدأت الاسئلة الكبرى تتوالى: اي هوية للعراق من دون ديموقراطية او ديكتاتورية لا فرق، اهي الهوية الطائفية ام الهوية العرقية؟ فإذا كان الاساس هو الطائفية فلمَ لا يصنّف الاكراد كسنة مع السنة العرب في مقابل الشيعة؟
واذا كان الاساس هو العرق فهل يستقيم التوازن بين اكثرية ساحقة عربية سنية وشيعية في مقابل اقلية كردية؟
واذا اعتُمد الاساس المركّب فهل يستقيم من دون ديموقراطية؟ وهل يكون البداية لتكريس سيطرة القوي على الضعيف ما يمهد لديكتاتورية جديدة؟
واذا كان التقسيم مستبعداً، فهل ينتهي الامر بثلاثة فيديراليات كبرى، ام ستضرب عدوى الحكم الذاتي المحافظات والاقاليم الصغرى ايضا؟
واذا كانت اللامركزية افضل الممكن، فهل سيتخلى المركز صاحب الصلاحيات الكبرى ولا سيما موقع رئاسة الوزراء، عن صلاحياته لمصلحة الاطراف؟
من استمع الى مناقشات النواب العراقيين في شأن الاتفاق الامني لن يطمئن كثيرا الى مستقبل العراق، ولا الى قدرة نخبته الجديدة عن الاجابة على هذه الاسئلة الصعبة !
(السليمانية (العراق))
"النهار"



















