تفاءل كثيرون في العالم بمجيء رئيسٍ أميركي جديد باعتبار أن هذا المنصب يُمثل أخطر سلطة لأكبر قوة في عالمنا المعاصر ولا شك أن جزءاً كبيراً من سعادة الأمم وفرحة الشعوب بالقادم الجديد إنما نجمت عن عدائها الشديد للإدارة الراحلة والشعبية المتدنية لرئيسها جورج دبليو بوش باعتبارها واحدة من أسوأ الإدارات في التاريخ الأميركي الحديث بما كانت تمثله من انحيازٍ مطلق للدولة اليهودية وتورطٍ أحمق في العراق وعنفٍ أعمى في أفغانستان، إلى جانب مواقفها الاستفزازية مثل الانسحاب من اتفاقية «كيوتو» الخاصة بالتغيرات المناخية، والكيل بمكيالين في سياستها تجاه معظم القضايا الدولية المعاصرة. ويهمني هنا أن أبسط وجهة نظرٍ قد تبدو عكس التيار ولا تتماشى مع معظم التحليلات المتفائلة بمجيء السيد الجديد إلى البيت الأبيض، وأوجز ذلك في النقاط التالية:
1- إن جزءاً كبيراً من حماس الجماهير في أرجاء العالم لوصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض يأتي من الشعور العام بأن آخر قلعةٍ من قلاع العنصرية البغيضة قد سقطت، وأن ساكن البيت الأبيض هو أميركي افريقي الاصل للمرة الأولى في التاريخ، وأنا ادرك أن الشعب الأميركي يستحق تحية تاريخيةً خاصة لاختياره رئيساً أسود لبلاده بعد أقل من أربعين عاماً فقط من أحداث العنف الطائفي والتفرقة العنصرية البغضاء في المدارس ووسائل المواصلات وأجهزة الدولة المختلفة حيث بلغت ذروة المأساة باغتيال مارتن لوثر كينغ واندلاع أحداث العنف العنصري في عددٍ من الولايات الأميركية، ولقد جاءت نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة لكي يهنأ مارتن لوثر كينغ في مرقده، ويدرك أن عبارته الشهيرة «لدي حلم» قد تحققت بما تجاوز خياله في ذلك الوقت، ليس الأمر كذلك فحسب بل أن جون كيندي أيضاً يهدأ الآن في قبره عندما يعلم أن رئيساً جديداً للولايات المتحدة الأميركية يرفع شعار «التغيير» مثلما فعل ذلك الرئيس الأميركي الراحل الذي أسقطته رصاصات غادرة عام 1963 في مؤامرةٍ غامضة لم يتم فك طلاسمها حتى اليوم.
2- إن كل رئيس أميركي يمكن أن يبدأ من الصفر، ولكن مشكلة الرئيس الحالي أنه يبدأ من دون ذلك لأن عليه أن يدافع دائماً عن انحيازه المحتمل لجذوره الأفريقية وأصوله الإسلامية فهو يحمل على كاهله وزر القرون ويدفع فاتورة عصور الظلام ويقف على أرضيةٍ رخوة لأن الإدارة السابقة تركت له ميراثاً سياسياً واقتصادياً قد لا تجدي معه الحلول والأساليب العصرية إلا بعد سنواتٍ قد تتجاوز مدة إدارته ذاتها، فأنا ممن يشفقون على باراك أوباما لا من محاولة التخلص منه بالاغتيال الحقيقي أو المعنوي، ولكن أيضاً لصعوبة موقفه في ظروفٍ بالغة التعقيد. إنه لا يرث فقط قضية التغيير المنتظر ولكنه يرث أيضاً عبء الرفض المكتوم ضده من قوى اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأميركية.
3- لديَّ قصة صغيرة أرويها الآن لكي ندرك الحالة النفسية والبيئة السياسية المحيطة بالرئيس الأميركي الجديد، فلقد كان لدينا في مصر كاتبٌ صحافيٌ لامع هو فيليب جلاب وفي أحد الاجتماعات العمومية لمؤسسة «دار أخبار اليوم» الصحفية رفع يده محتجاً على اضطهادٍ يشعر به في عمله، وقال إن السبب ربما يكون من بعض ضعاف النفوس الذين يتعاملون معه من منطلقٍ طائفي. فضحك الجميع في دهشة لأن رئيس المؤسسة في ذلك الوقت كان هو الكاتب الصحافي الكبير موسى صبري وهو مسيحيٌ أيضًا فلا مجال لشبهة الاضطهاد الديني من رئيسٍ قبطي تجاه مرؤوسٍ قبطيٍ أيضاً، ولكن فيليب جلاب ردّ يومها قائلاً إن رئيس مجلس الإدارة يظلمني حتى يشتهر بالعدل فهو يوغل في تقليص صلاحياتي والتضييق عليَّ حتى لا يُتهم بمحاباة ابن طائفته مع أن الأمر في ظني كان ينبع من الخلاف السياسي بينهما، فقد كان فيليب جلاب يسارياً ناصرياً بينما كان الكاتب الراحل موسى صبري يقف على الجانب الآخر.
وأتذكر أيضاً أنني تلقيت مكالمةً هاتفية من رجل دينٍ مسيحي من إحدى المحافظات المصرية التي تم تعيين محافظٍ قبطي لها ووجدت رجل الدين – وهو صديقٌ قديم – يشكو لي من أن المحافظ المسلم قد يكون أفضل للطوائف المسيحية، لأنه لن يكون متهماً بمحاباتها وبالتالي لن يبتعد عنها أو يتجاهل أحياناً مطالبها حتى لا يتهم بما هو متوقعٌ منه بالانحياز الطائفي. لقد تذكرت هاتين القصتين وأنا أتابع أخبار الرئيس الأميركي الجديد الذي سوف يظل يدافع في السنوات المقبلة عن لون بشرته وتاريخ ديانته إلى جانب ابتزازه من جانب القوى المعادية له واتهامه بالولاء الداخلي لتلك المرجعيات التاريخية في شخصيته حتى وإن لم يكن ذلك صحيحاً بالمرة، فالمطلوب من أوباما دائماً أن يتطرف في حُب إسرائيل وعشق مطالبها العدوانية واتهام المسلمين بالتطرف والمضي مع بعض السياسات التي تدفع عنه تهمة الانحياز لأصوله الشخصية.
4- إن موجات التفاؤل التي أحاطت بوصول أوباما إلى البيت الأبيض – على رغم كل المبررات التي سقناها – لا تخلو من نبرة قلق وإحساس بأن الرجل سوف يتعرض لضغوط شديدة لأن الولايات المتحدة الأميركية معروفة بذلك النوع من التعصب العكسي وهل ننسى أنها دولة «العزلة التاريخية» ودولة «المكارثية» وهي أيضاً دولة «الشفافية المطلقة» و «الاتهامات المرسلة» و «الفضائح المدبّرة»، لذلك لن تقبل قوى كثيرة في الولايات المتحدة الأميركية بأن تتعامل مع رئيس ليست لديه مواقف ولا يمكن الدخول إليه من نقاط ضعف معينة. ولنا في ريتشارد نيكسون وبيل كلينتون عبرة في هذا السياق عندما تمكنت قوى معينة داخل الولايات المتحدة من إضعاف دورهما سواء بفضيحة ووترغيت أو فضيحة مونيكا لوينسكي. إنه مجتمع غريب عجيب ولكنه يقود العالم لا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً فقط ولكن أيضاً من خلال القيم الاجتماعية والتقاليد الثقافية والسلوك الإنساني.
5- إن هناك بوادر واضحة تؤكد ما نذهب إليه الآن فقد اختار أوباما عدداً من مساعديه من بينهم من هو معروف بانحيازه الطبيعي للدولة العبرية ومن بينهم أيضاً من عملوا في ادارات ديموقراطية سابقة وميولهم معروفة واتجاهاتهم واضحة وسياساتهم معلنة، إلى جانب بعض الخبرات من الجمهوريين أيضاً وهي نقطة تحسب له ولكنها تؤكد المعنى نفسه الذي ندور حوله وهو أن أوباما رئيس يسعى إلى التغيير في ظل عوائق شديدة وبيئة سياسية متوترة، لذلك لا نظن أنه سيكون قادراً بسهولة على أن يترك بصمات سريعة أو تغييرات مؤثرة في الساحة الدولية سواء كان ذلك في العراق أو أفغانستان أو القضية الفلسطينية، فالأعباء متراكمة والتركة ثقيلة والإدارة الراحلة قطعت جسورها مع كثير من قوى الاعتدال في العالم.
6- إن حديث باراك أوباما عن الانسحاب من العراق هو حديث انتخابي أكثر منه حديث واقعي، كما أنه لا يخلو من استجابة للرأي العام الأميركي عاطفياً، ولكنني استمعت منذ أيام لجنرال أميركي كبير من أصحاب القرارات العليا وهو يقول صراحة إنه سوف ينصح الرئيس الأميركي الجديد بالتفكير بطريقة مختلفة في مسألة الانسحاب السريع من العراق لأن الأمر أكبر وأخطر من قرار سياسي متعجل بل هو يحتاج إلى قرار ميداني قد تكون نتائجه سيئة على صورة الولايات المتحدة في الخارج، وفي ظني أن الإدارة الأميركية الجديدة سوف تدعم الاتفاقية العراقية الأميركية ولن تتجاوز عام 2011 كحد أقصى للخروج من العراق وهو أمر لم يكن مؤكداً بالنسبة الى الإدارة الراحلة حتى تتمكن من البحث عن نهاية مشرفة لورطتها العسكرية في بلاد النهرين كما أن الوضع في أفغانستان يتفاقم يوماً بعد يوم إلى جانب تحولات سياسية داخل باكستان التي ترفض العدوان الأميركي المتكرر على أطراف الدولة بدعوى تعقب عناصر «طالبان» أو فلول «القاعدة». وهذه النقطة بالذات تؤكد أن صورة الولايات المتحدة تزداد قبحاً في مناطق مختلفة من العالم، أما موقف أوباما من القضية الفلسطينية فلا أظن أنه سوف يكون مختلفاً كثيراً عن السياسة الأميركية التقليدية في دعم إسرائيل وحماية أمنها والدفاع عن مصالحها، لذلك فإن الآمال الكبيرة يجب ألا تقودنا بمنطق الوهم إلى أحلام لن تتحقق، فما زلت أتذكر التفاؤل العربي بإدارة جورج دبليو بوش عند وصوله إلى السلطة للمرة الأولى ويجب أن ندرك هنا أن الولايات المتحدة دولة كبرى ذات سياسات مستمرة ولن يؤدي تغيير الإدارة فيها إلى انقلاب سريع في سياساتها الخارجية.
7- إن الأزمة المالية العالمية تلقي بظلالها القاتمة على مستقبل إدارة باراك أوباما لأن عليه أن يواجه أزمة ضخمة تكاد تعصف بمكانة الولايات المتحدة وتفوقها الاقتصادي وتقدمها التكنولوجي، كما أن الإجراءات المطلوبة والبرامج المقترحة ستستغرق بالضرورة معظم وقت أوباما وسوف تصرف كل جهوده إلى الأوضاع الداخلية والاقتصاد الأميركي ومقتضياته بدلاً من أن يستطيع التقدم بتغييرات مؤثرة في السياسات الخارجية. والمواطن تهمّه في النهاية حاجاته اليومية وأوضاعه المالية قبل أن يعنيه ما يجري في الشرق الأوسط أو حتى ما يدور في أميركا اللاتينية!
هذه قراءة متأنية لتغييرات جذرية في العالم، طرأت على الساحة السياسية الدولية وتكاد تدفعها دفعاً نحو حالة جديدة من الترقب والفوضى التي قد تستمر سنوات قبل أن يقف العالم على قدميه مرة أخرى لينظر إلى الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القوة العظمى الوحيدة. ويجب ألا يغيب عن وعينا أن تأثير السياسة الأميركية في عالم اليوم هو أكبر بكثير مما نتصور شئنا ذلك أو لم نشأ، فحتى الصين وأوروبا وغيرهما لا تخرج عن هذا السياق، سياق العصر الأميركي بكل ما له وما عليه!
* كاتب مصري
"الحياة"



















