ادى اغتيال عماد مغنية في شباط الماضي الى كشف "حزب الله" للمرة الاولى طبيعة العلاقة التي تربط مغنية بالحزب سواء على صعيد موقعه القيادي والعسكري لجهة بعض الانجازات التي حققها من خلال دوره في المقاومة الاسلامية وخصوصا في حرب تموز 2006. وبرزت مؤخرا لدى بعض اوساط "حزب الله" ظاهرة "اسطورة مغنية" بالحديث عن رؤية صورته على سطح القمر او تمجيد ولادة حفيد له سمي "عماد" وصولا الى انتشار صوره في كل احتفالات الحزب ونشاطاته، اضافة الى التأكيد المستمر على "الثأر لاغتياله" مهما طال الزمن.
وفي مقابل "الصورة البطولية والاسطورية" التي قدمها الحزب لمغنية فان الاوساط الاميركية والاسرائيلية وبعض الجهات العربية والغربية ركزت على صورته "الارهابية" عبر اتهامه بالمسؤولية عن تنفيذ سلسلة من العمليات الامنية من "خطف طائرات ورهائن" الى الهجمات التي طالت القوات الاميركية والفرنسية وتفجير السفارات والمصالح الغربية في لبنان والكويت وفرنسا.
فما هي الصورة الحقيقية لمغنية وطبيعة الادوار التي قام بها؟ ولماذا لم يرد "حزب الله" على عملية اغتياله حتى الآن؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة لطبيعة الرد المتوقع؟ وهل نجح الحزب في ملء الفراغ القيادي الناتج عن اغتياله؟
تعدد ادوار ومراحل
بداية ما هي الصورة الحقيقية لعماد مغنية والادوار التي قام بها خلال مسيرته الامنية والعسكرية؟
يمكن تقسيم حياة مغنية الى ثلاث مراحل اساسية :
1 – المرحلة الفلسطينية:"؛
2 – المرحلة الايرانية؛
3 – المرحلة اللبنانية.
المرحلة الفلسطينية تعتبر المرحلة التأسيسية في شخصية مغنية على صعيد امتلاك القدرات الامنية والعسكرية من خلال دوره في حركة "فتح" وانضمامه الى جهاز امن الـ"17" المكلف بحماية ياسر عرفات. وقد ساعدته هذه المرحلة في الحصول على تدريب عالي المستوى والقيام بمهمات تنفيذية واكتساب خبرات ميدانية لم تتوفر للكثير من الكوادر الاسلامية. كما تركت آثارها على مسيرته الامنية والعسكرية طوال حياته من خلال شبكة العلاقات الواسعة التي اقامها مع القيادات والكوادر والتنظيمات الفلسطينية.
اما المرحلة الايرانية فقد بدأت مع اوائل الثمانينات ورغم امتدادها الى لحظة اغتياله، فانها انتهت تنظيميا اوائل التسعينات بعد اتفاق الطائف وانتهاء مرحلة التشكيلات الامنية التي برزت بين عامي 1982 و1992 والتي قد تكون المسؤولة عن عمليات خطف الرهائن والتفجيرات وضرب المصالح الغربية. ولم يكن لـ"حزب الله" اية علاقة بهذه المرحلة حسبما اكد نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في كتابه التأريخي عن "حزب الله".
اما المرحلة الثالثة والاهم في حياة عماد مغنية فهي التي يمكن تسميتها بالمرحلة اللبنانية بعدما انضوى تنظيميا داخل "حزب الله" وتحمل المسؤوليات الامنية والعسكرية حيث تولى قيادة المواجهات ضد الجيش الاسرائيلي في عامي 1993 و1996 وصولا الى التحرير عام 2000 ومن ثم التحضير للمواجهة الكبرى التي حصلت عام 2006. وفي هذه المرحلة طغت على شخصية مغنية صورة القيادي العسكري المتمرس على الصورة الامنية المحدودة التي اتصف بها في المراحل السابقة.
الصفات الاستراتيجية
ومن اجل فهم معمق واقرب الى الواقعية والحقيقة لشخصية عماد مغنية لا بد من الحديث عن "الصفات الاستراتيجية" التي اتصف بها والتي برزت في "المرحلة اللبنانية" من حياته. فقد استفاد مغنية من الخبرات الامنية والعسكرية التي حصل عليها من الفلسطينيين والايرانيين ليضيف اليها خبراته الميدانية ومواكبته للتطورات العلمية والتكنولوجية مستعينا بفريق عمل مكوّن من اصحاب كفايات عملية وميدانية. وبفضل كل هذه القدرات تحولت المقاومة الاسلامية من مجموعة "حرب عصابات" (غريللا) الى جيش صغير منظم يجمع تقنيات حرب العصابات الى خطط الجيوش النظامية وهذا ما برز بوضوح خلال حرب تموز 2006.
والذين يعرفون مغنية شخصيا يؤكدون على دوره المميز في تطوير قدرات "المقاومة الاسلامية" من خلال شخصيته الواسعة الافق، فهو مستعد للتعاون مع اصحاب الكفايات والقدرات بدون التقيد بالحسابات التنظيمية او الايديولوجية الضيقة كما انه يولي التطورات العلمية والتكنولوجية اهتماما واسعا.
وقد ادى نجاح الخطط العسكرية التي وضعها وتم تنفيذها خلال حرب تموز 2006 الى دفع الجيوش النظامية للاستفادة منها وخصوصا في سوريا وايران، اضافة الى استفادة المنظمات الفلسطينية المقاومة من تجربة وقدرات المقاومة الاسلامية القتالية. ويحكى من مصادر موثوقة أنه قبل اغتياله باشهر قليلة نصح مسؤولا عربيا بعدم الاعتماد على المصفحات في اية مواجهة عسكرية مقبلة والتركيز على الصواريخ لانها السلاح الاكثر فاعلية في المرحلة الحالية.
ملء الفراغ القيادي
في ضوء هذه المعطيات يمكن القول ان اغتيال مغنية احدث فراغا كبيرا داخل "حزب الله" وخصوصا على الصعيدين العسكري والامني، وبرز ذلك بوضوح من خلال حالة الصدمة التي اصابت قيادة الحزب وكوادره بعد الاغتيال. ورغم امتلاك الحزب للعديد من الكوادر العسكرية والامنية المميزة والتي تستطيع ملء الفراغ الحاصل بسبب اغتياله، فانه يمكن القول ان شخصية مغنية لا يمكن ان تتكرر. وقد يكون "حزب الله" نجح في استيعاب هذه الصدمة مرحليا نظرا الى اعتماده على العمل المؤسسي والجماعي والخبرات الميدانية والقتالية التي حصل عليها كوادره وقيادته لكن ذلك لا يلغي الخسارة الكبيرة التي تعرض لها.
وقد اتخذ الحزب سلسلة اجراءات تنظيمية لتعويض هذه الخسارة واعتماد اساليب جديدة في العمل العسكري والامني.
الرد على الاغتيال والاحتمالات المتوقعة
لكن لماذا لم يرد "حزب الله" على عملية اغتيال مغنية حتى الان؟ وماهي الاحتمالات المتوقعة؟
المعلومات المتوافرة من داخل "حزب الله" تؤكد انه منذ اللحظة الاولى لتأكد خبر الاغتيال اتخذت قيادة الحزب قرارا بتنفيذ رد يوازي حجم الخسارة الكبرى، وقد عبر عن ذلك شخصيا الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله سواء من خلال تصريحاته العلنية او عبر"القَسَم" الذي اطلقه على ضريح مغنية.
وتؤكد مصادر المعلومات انه جرت عدة محاولات لتنفيذ سلسلة عمليات خلال الاشهر الماضية لكنها لم تحقق اهدافها. وقد تكون الظروف الميدانية التي تحيط "حزب الله" بعد حرب تموز 2006 والحسابات السياسية والواقعية التي ميزت قرارات الحزب منذ انتهاء هذه الحرب اضافة للمتغيرات الحاصلة على الوضع اللبناني الداخلي، كل ذلك جعل "الرد المدوي" يتطلب معطيات وامكانات غير تقليدية.
المصادر القيادية في "حزب الله" تؤكد "ان الرد على الاغتيال قادم لامحالة" واما اختيار الشكل والتوقيت فمرتبط بالظروف الميدانية، لانه اذا لم يتم الرد فان ذلك يعطي الاسرائيليين الضوء الاخضر لتنفيذ عمليات اغتيال جديدة، ولذا تتوقع المصادر حصول الرد في اية لحظة مناسبة دون ان يسمح ذلك للاسرائيليين باستغلال الامر للقيام بعدوان جديد على لبنان.
ولابد من القول اخيرا ان "حزب الله" معني اولا بكشف المزيد من الحقائق عن الانجازات العسكرية والامنية التي حققها مغنية خلال حياته لتاكيد "صورته الاستراتيجية" الحقيقية ولنقل خبراته الى الاجيال المقبلة بعيدا عن اسلوب "الاسطرة" ولانهاء "الصورة الارهابية" التي سعى الغرب واسرائيل لوصم مغنية بها.
ومن واجب الحزب ثانيا الاعلان عما وصلت اليه التحقيقات بشان عملية الاغتيال علّ ذلك يساهم في منع تكرار مثل هذه العمليات الخطيرة.
"النهار"



















