وسام سعادة
هل يسع منظومة الممانعة الإقليميّة، التي يحرّكها كل من الحرس الثوريّ الإيرانيّ والبرنامج النوويّ الإيرانيّ أن تتفادى وقوع كارثة بحجم المنطقة في آخر الأمر؟ هل يسعها بالفعل أن تنحّي جانباً كل تطوير للبرنامج النوويّ في إتجاه تسلّحيّ؟
هل يسع منظومة المجتمع الدوليّ في المقابل، تلك التي يقودها حلف شمال الأطلسيّ وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركيّة، أن تلغي تماماً من حسابها فكرة الحرب مع إيران، وأن تعطي الأولويّة للتعايش مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" حتى ولو امتلكت قنبلة نوويّة؟
سؤالان يُطرحان بإلحاح، لا سيّما ما توالي الإشارات الواردة من كذا عاصمة غربيّة، بأنّ شهر شباط القادم سيكون تقريريّاً وحاسماً بامتياز، في ما يتعلّق بمسار العقوبات حيال إيران، وبالمسار العام الذي سيسلكه المجتمع الغربيّ الدوليّ تجاه النظام الحاكم فيها؟
يندمج السؤالان في كلّ واحد: هل يمكن للحرب ألا تقع في نهاية المطاف؟ أو بمعنى آخر: على أي أساس يمكن لهذه الحرب ألا تقع؟
فهل ثمّة توازن رعب إيرانيّ غربيّ يكفل غضّ الطرف عن تلك الحرب؟ هل ثمة مجال لردع متبادل على صعيد الشرق الأوسط يتجه شيئاً فشيئاً إلى تعايش إقليميّ مع إيران؟
وإن لم يكن ثمّة توازن رعب، وكان الغرض من البرنامج النوويّ الإيرانيّ تحقيقه، فهل يسع الغرب أن يتقبّل ذلك؟
إلى حين مزيد من الاتضاح في الصورة الإجماليّة، يتنازع الموقف رأيان: الرأي الأوّل يقول بأنّ إيران سوف تنجح في الإفلات من الكارثة التدميريّة، أو على أقل تقدير يتعامل هذا الرأي الأوّل مع احتمال الحرب في المنطقة كاستثناء، في حين يتعامل مع استبعاد الحرب على أنّه الواقع الراجح.
مع ذلك، ثمّة مكان لرأي ثان، ولا يقلّ هذا الرأي الثاني وجاهة، بل يزيد. يتعامل الرأي الثاني مع احتمال وقوع الحرب كقاعدة نتجه إلى تحقّقها واقعاً، ومع استبعاد الحرب كاستثناء صرف يلزمنا تضافر جهود إقليمية ودولية عديدة لترجيحه.
والأساس في الرأي الثاني هو أنّ الضعف الذي تعاني منه أميركا، نتيجة لاعتدال إدارة رئيسها فوق اللزوم، وإسرائيل، نتيجة لتطرّف حكومتها فوق المعقول، إنّما هو ضعف يزيد من احتمالات وقوع الحرب وليس العكس.
فأيّاً يكن من طبيعة هذا الضعف، تأخذ المنظومة العسكرية الأميركية الإسرائيلية المشتركة في منطقة الشرق الأوسط وضعيّة المحاصِر لإيران الحرس الثوريّ والبرنامج النوويّ والتمدّد الإقليميّ.
وإذا بدت علامات ضعف من قبل "المحاصِر" فإنّ ذلك لا يخدم منطق حل الأمور بالتي هي أحسن، أي بالمفاوضات والسياسة والسلم، وإنّما يخدم تكريس مجمل المبادئ الأساسيّة التي شخّصها مفكّر الحرب بامتياز، كارل فون كلاوزفيتس، وتحديداً معادلة "الغازي يريد السلم والمدافع يريد الحرب".
إنّ الوضع الحاليّ يغري منطق الهروب إلى الأمام التي لجأت إليه، في العصور الحديثة، جميع القوى التي وجدت نفسها محاصرة ووجدت أن محاصريها قد بلغ بهم الضعف والوهن منزلة يصعب بعدها مقاومة إغراء.. الهجوم!
ومنطق الهروب إلى الأمام هو الدينامية التي تلجأ إليها إيران في حقبة محمود أحمدي نجاد. في الولاية الأولى عمد نجاد إلى منطق الهروب إلى الأمام أيديولوجيّاً وإقليميّاً. أيديولوجيّاً باجتثاث روح الاعتدال الخاتميّة التي نشدت الإصلاح المتدرّج داخلياً والانفتاح البطيء خارجياً. وإقليميّاً بتزكية منطق مصادرة جبهات الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وكانت حربان كشفتا ضعف آلة الحرب الإسرائيليّة، وتراجع التقاليد القتالية الإسرائيلية، لكن انتهت نتيجتهما إلى إقفال آخر جبهات المواجهة الميدانية مع إسرائيل، إلى حد تنعم فيه الأخيرة، على حدودها وفي داخلها، بمنسوب من الاستقرار الأمنيّ لم تشهده منذ 4 حزيران 1967.
وفي الولاية الثانية انتقل محمود أحمدي نجاد أو ما يرمز إليه من نظام وحرس وطموحات نووية وتوسّعية إلى الهروب إلى الأمام في معالجة أزمة النظام، من خلال تزوير الانتخابات، ثم من خلال القمع الدامي للانتفاضة الاحتجاجية الجماهيرية، وليس انتهاء بإعدام شبّان لأنّهم شاركوا في تظاهرة ضد تزوير الانتخابات.
هذا الهروب إلى الأمام على الصعيد الداخلي لا يمكن أن تتمخّض عنه "استدارة واقعيّة" في ما يتعلّق بالصعيد الخارجيّ. الهروب إلى الأمام داخلياً سوف يولّد اتجاهاً قويّاً لهروب النظام الإيرانيّ إلى الأمام خارجيّاً، بشكل أو بآخر. ولأجل ذلك فإن المنطقة تتكئ على برميل بارود ينتظر صاعقاً يفجّره، ذلك أنّ أي مغامرة جديدة، سوف تعطي المجال لمنطق كلاوزفيتس، منطق "تصاعد التوتّر إلى حدّه الأقصى". منطق مبادرة "المدافع" الإيرانيّ إلى "الهجوم" بعد أن عدل "المهاجم" الأميركيّ عن "حروبه الاستباقيّة" وبعد أن توّهم "المهاجم" الإسرائيليّ أنّ "نهاية الصراع العربيّ الإسرائيليّ" قد حسمت بقيام "السور الواقيّ".




















