تضعنا قضية اعتقال المحامي الأستاذ مهند الحسني ,وتداعياتها فصولاً منذ لحظة اعتقاله 28/7/2009,مروراً بقيام نقيب المحامين السوريين بإحالته إلى مجلس تأديب فرع نقابة دمشق 4/8/2009,وصولا إلى مهزلة المحاكمة المسلكية وصدور قرار من مجلس التأديب يقضي بشطب قيد المحامي نهائياً كم النقابة(10/11/2009).
أقول تضعنا هذه القضية وجهاً لوجه أمام تدهور جديد وخطير,وغير مسبوق للأوضاع الحقوقية والقانونية وللقضاء في سوريا,وما تنطوي عليه هذه الأوضاع من عسف وانتهاك يومي وسافر,وتزوير وتشويه لإرادة الأفراد والجماعات والدوس على حقوقها وكرامتها في ظل التغول المطرد لأجهزة السلطة ومخابراتها والتي أمسى القضاء ألعوبة بين يديها,تسخره حيث تشاء وبالوجهة التي تخدم مصالحها,في استهداف مباشر لحرية الرأي والتعبير, وخنق الأصوات المعارضة.
وبالرغم من معاناة شعبنا ولعقود مضت من فقدان أي غطاء قانوني يحمي المواطنين من تغول هذه الأجهزة على حياتهم المدنية,وتدخلها الفظ في ممارساتهم لحرياتهم العامة التي كفلها الدستور,والتي لم يكن المحامون أنفسهم بمنأى عن هذه الانتهاكات والتجاوزات.
إلا أن ما جرى مؤخرا ًفي قضية المحامي الحسني يفوق أسوأ التوقعات,والأدهى والأمر أن تتصدى نقابة المحامين بشخص نقيبها إلى استكمال دور السلطة وأجهزة الأمن, وتحيل الحسني إلى مجلس تأديب نقابة فرع دمشق, واستصدار قرار بشطب قيوده نهائياً من المهنة فهو لعمري أمر بالغ الخطورة ويدشن فصلاً جديداً هو الأسوأ في تاريخها وتاريخ القضاء السوري عموماً. لقد كانت نقابة المحامين في سوريا, في طليعة النقابات المهنية والعلمية من حيث تحمّل مسؤولياتها الوطنية والتاريخية, وفي تبني قضايا الشعب السوري السياسية والاجتماعية والقانونية, وفي الحفاظ على دور القضاء وحماية نزاهته وسمعته المحترمة. وكلنا يذكر موقفها الوطني الغيور خلال أزمة الثمانينات من القرن الماضي, حيث أعلنت تمردها على انحراف السلطة ومواقفها الثأرية, وطالبت بإنهاء الأحكام العرفية وإطلاق سراح المعتقلين, ووقف حملات القمع والتنكيل في المدن والبلدات, وإهدار كرامة المواطنين,داعية إلى إيجاد مخرج وطني ديمقراطي يحفظ وحدة البلاد والعباد ويصون أمنهم واستقرارهم. إلا أن رد السلطة جاء سريعاً, ليس فقط في حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت صفوف النقابين عموماً وعلى رأسهم نقابة المحامين, وتعذيبهم والتنكيل بهم, بل كذلك بحل مجلس هذه النقابات المنتخبة وإعادة تركيبها وتنظيم دورها بما يخدم أهداف السلطة ومخططاتها , وخاصة تطويع القضاء وجعله مطية في خدمة سياساتها التخريبية ونزوعاتها الاستبدادية.
وعلى نحو شديد التعسف والتسلط, صدر القانون رقم/39/ تاريخ21/8/1981 والذي ينظم مهنة المحاماة على نحو جديد. إذ جاء في المادة الثالثة منه:
"نقابة المحامين تنظيم مهني اجتماعي يؤمن بأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية, وملتزم بالعمل على تحقيقها وفق مبادئ ومقررات حزب البعث العربي الاشتراكي وتوجيهاته".
بينما انفردت المادة الرابعة منه بتفصيل أوضح:
"التزام نقابة المحامين بالتنسيق مع المكتب المختص في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي, للمساهمة في حشد طاقات الجماهير في سبيل تحقيق أهداف الأمة العربية".
ولعلّ الأفصح من هذا وذاك ماجاء في المادة/37/ التي حددت معيار شرعية المؤتمر العام:
"لاتعتبر اجتماعات المؤتمر العام لنقابة المحامين قانونية إلا بدعوة ممثل عن المكتب المختص في القيادة القطرية…"
والسؤال الآن:
ماذا أبقى قانون تنظيم المهنة هذا من دور لهذه النقابة, ومن كرامة لأعضائها, بعد أن حولها (قانون) السلطة إلى أداة طيعة بيد حزب البعث واستطراداً بيد أجهزة المخابرات التي يتمحور دورها في إجراء الرقابة اللصيقة على أدائها وضبط أعضائها, وتسييرهم وفق مشيئة السلطة وفي خدمة مأربها ؟ وخطف دور النقابة والمتاجرة به بعد إطباق السيطرة عليها, الأمر الذي وصل ببعض فروعها إلى تحريك دعاو مسلكية بحق بعض المحامين, وفبركة الحجج والذرائع لتوجيه التهم ضدهم دون أي سند قانوني بقصد منعهم من ممارسة أي نشاط حقوقي أو سياسي مستقل عنها, وهاهو الحصاد المر بين أيدينا بعد ما يقرب من ثلاثة عقود على العمل بموجب هذا القرار المشؤوم, فقد عجزت نقابة المحامين بصفتها الاعتبارية حتى عن الدفاع عن المحامين المعتقلين لأسباب سياسية أو بوصفهم مدافعين عن حقوق الإنسان وهو أضعف الإيمان والأمثلة كثيرة:
"أنور البني, مهند الحسني، هيثم المالح" وكذلك الأستاذ خليل معتوق الذي يلاحق بنفس الكيدية وبذات الأسلوب. بل وفشلت حتى في الحفاظ على شرف المهنة وهيبتها حينما تقاعست عن الدفاع عن كرامة المنضوين في صفوفها حتى أصبح المحامي أسيراً لأجهزة الأمن التي يتحرك بين ألغامها ومتسولاً أمام مكاتب القضاة المحظوظين طلباً للعيش، ناهيك عن شللها التام و الكامل في لعب أي دور في الشأن العام أو الإسهام والمبادرة لاعتراض هنا أو تنديد هناك لاقتراح تعديل أو تصويب في الكثير من القوانين والإجراءات التي تخترعها السلطة ولاسيما ما تفرزه باستمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفية المقيمة من قمع للحريات، ومصادرة للحقوق، و نسف وإلغاء لكل ما هو قانوني وشرعي، يكفي للمثال فقط أن نذكر بالمرسوم رقم تاريخ
ونتساءل بمرارة:
هل من الطبيعي أننا لم نسمع مرة واحدة تنديداً من قبلها بأي انتهاك تعرض له أي من المحامين المنتسبين إليها، لكننا شهدنا ونشهد حضورها شريكاً في عدد كبير من الانتهاكات الساخرة لحقوق المحامين وغير المحامين؟!!…
هل من المعقول إننا لم نسمع منها صرخة طيلة عقود مضت بوجه مستنقعات الفساد المعمم بكل صوره وألوانه من رشوة واختلاس وسمسرة نهب للمال العام ودور قذر للمافيات هنا وهناك، ودوس على الحقوق وغيرها وغيرها من تلك التي تسمم الحياة اليومية لعموم السوريين حيثما توجهوا وعلى غير صعيد؟!.
أليس في هذا التنصل والتواطؤ الكثير من المبررات لسواد الناس حين يفقدون ثقتهم واحترامهم لحرية القضاء وإحقاق الحقوق وتأمين العدالة؟!…
في هذا السياق بالذات، تأتي رسالة الاحتجاج التي أرسلها محامي باريس ممثلة بشخص نقيبها إلى نقابة المحامين في سوريا بخصوص شطب المحامي مهند الحسني لتقول قولة حق في وجه سلطان جائر، وتكسر حاجز الصمت وتضع النقاط على الحروف: بأن ما يجري يعتبر " عملاً شائناً وهو وصمته عار في تاريخ النقابة والقضاء عموماً "، ولاسيما وأنها تصدر من دولة ذات وزن حقوقي دولي مميز وعريق، وما يزيد في أهميتها أيضاً الدور المرموق والمكانة العالية لمرسلي هذه البرقية ولتاريخهم في هذا المجال.
كما تمثل عملية رد " الوسام " إلى أصحابه خطوة رمزية بالغة الدلالة كترجمة للجدية العالية من قبل نقيب محامي باريس وتنفيذ عملي لهذا الاحتجاج.كان يجدر بنقابة محامي سوريا أن تتوقف عندها ملياً والتأمل في أبعادها ورموزها للرجوع عن الخطأ وتصوب ما أعوّج من مسيرتها.
وهي بادرة طيبة كنا نتمنى أن يحذوا حذوها الكثير من أوساط المجتمع المدني الدولي ومن الأشقاء العرب لما تمثله هذه الخطوة من تضامن حضاري وأنساني وزيادة الضغط على السلطة لوقف انتهاكاتها للقانون ورفع يدها عن القضاء.
وكان من الأجدى للسلطة السورية أن تتعامل معها بجدية ومسؤولية لاأن تحيلها إلى الجهات الأمنية لتحشد الرد الكيدي عليها، وتتفنن في استدعاء جهات بالإكراه للرد عليها وتفنيدها..نعم كان أجدى..
===========================




















