عندما نقض قرار المحكمة العليا في قضية باكلي ضد فاليو عام 1976 أول محاولة جدّية بعد "ووترغيت" لتنظيم تمويل الحملات، لم تأتِ صحيفة "نيويورك تايمز" حتى على ذكر القضية. أما القرار الذي اتُّخِذ الأسبوع قبل الماضي في قضية "سيتيزينز يونايتد" ضد لجنة الانتخابات الفيديرالية، والذي ينقض مجهوداً ممتداً على ثلاثة عقود للحد من تأثير المال على السياسة، فقد استحوذ على ثلثَي الصفحة الأولى في الصحيفة.
لقد أثار القرار جدلاً غير مسبوق في الولايات المتحدة، بما في ذلك انتقادات حادة من الرئيس باراك أوباما والسناتور جون ماكين الذي شارك في رعاية مشروع قانون ماكين-فينغولد الشهير الذي أسقطته المحكمة العليا في شكل أساسي معتبرةً أنه غير دستوري. القضية في ذاتها جدلية: سعت شركة تحمل اسم "سيتيزينز يوناتيد" إلى بيع المحطات التلفزيونية الكبلية حق مشاهدة زبائنها المشتركين في خدمة "الفيديو على الطلب" فيلماً ينتقد بشدّة هيلاري كلينتون التي كانت مرشّحة آنذاك لتسمية الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية. اعتبرت لجنة الانتخابات الفيديرالية أن بث الفيلم، وكذلك الإعلانات التي روّجت له، تشكّل اختراقاً لتنظيمات تمويل الحملات كونها حزبية جداً وقريبة جداً من مهلة منصوص عليها في القانون. وقد ثبّتت المحكمة العليا في قرارها حق لجنة الانتخابات الفيديرالية بطلب كشوفات وإخلاءات مسؤولية من "سيتيزينز يونايتد"، لكنها أسقطت مبدأ أهم بكثير يتم الدفاع عنه منذ قضية باكلي ضد فاليو. فقد ارتأت أنه من غير الدستوري فرض حدود على أموال الشركات في الميدان السياسي.
ما مدى أهمية القرار؟ يتمعّن الباحثون الدستوريون، وكذلك العالم السياسي الأميركي بكامله، في الحكم الصادر في 183 صفحة. أحد الأسباب وراء شعور الأميركيين بالقلق هو الطابع الحزبي الشديد الوضوح الذي يرتديه القرار، خمسة قضاة جمهوريين معيَّنين في مقابل أربعة قضاة ديموقراطيين معيَّنين، في ما يشبه إلى حد كبير قرار بوش ضد آل غور عام 2000 الذي أجمع الكل على انتقاده، عندما منحت النسبة نفسها من القضاة الجمهوريين مقابل الديموقراطيين الرئاسة للمرشح بوش، على الرغم من أن عدد الأصوات التي حصل عليها كان أقل بنصف مليون من تلك التي حصل عليها خصمه. وفي الوقت الذي تهدّد فيه الانتكاسة الانتخابية في مساتشوستس مشروع القانون الذي اقترحه أوباما لإصلاح القطاع الصحي، أصبحت الأجواء مشحونة جداً، مع شعور بأن تعنّت اليمين المتطرّف يعرّض للخطر أي رسالة تغيير مرتبطة برئاسة أوباما.
كما أن اللهجة المعتمدة في الرأي الذي توصّلت إليه الأكثرية لا تساعد على طمأنة المشكّكين. لم يتردّد القاضي كينيدي الذي كتب الرأي وقاضي القضاة روبرتس الذي أيّده، في التعبير عن أفكار كبرى: لقد حان الوقت لنقض القرارات السابقة، بحسب قولهما، لأنها خاطئة، حان الوقت للنظر أبعد من القضية الضيّقة المطروحة أمامنا، التي لطالما أثارت جدلية، من أجل ضمان ما يعتبرانه ركيزتَي حرية التعبير في تفسيرهما للتعديل الأول للدستور الأميركي. أولاً، قررت الأكثرية أنه ليس بإمكان الكونغرس إقرار قانون يستهدف الشركات، لأن الشركات هي مثل الأفراد إلى حد كبير. ولا يمكن تالياً وضع عقبات أمام "قدرتها على التعبير" انطلاقاً من كونها شركات. ثانياً والأهم، لا يستطيع الكونغرس تحديد سقف للمال في الحملات الانتخابية، سواء تعلق الأمر بالمساهمات أو النفقات. فالمال يساوي حرية
التعبير.
هنا يحصل الانقلاب الخطير على قرار باكلي ضد فاليو. لقد ميّز قرار باكلي ضد فاليو بين نوعَين من المال السياسي: المساهمات التي يمكن تحديد سقف لها، والنفقات التي لا يمكن تحديد سقف لها. عنى ذلك في الممارسة أنه بإمكان القوانين أن تفرض حدوداً على المبالغ التي يستطيع الناس تقديمها لدعم الحملات، وصدّق قرار باكلي ضد فاليو على صلاحية القانون الذي يمنع الأفراد من المساهمة بأكثر من ألف دولار. لكن عندما يصبح مالهم في جعبة حزب سياسي ما، أو إذا كان هذا المال هو الثروة الشخصية للمرشح، يستطيع هو أو الحزب أن يتصرّفوا به كما يشاؤون.
تعرّض قرار باكلي ضد فاليو لانتقادات شديدة بسبب تفريقه بين المساهمات والنفقات. بالفعل، لم يكن التفريق منطقياً ولا سيما في ضوء ‘المال المرن’ وأساليب سهلة أخرى للتحايل على السقف المفروض على المساهمات. في كتابي "الديموقراطية في أميركا"، أشرت إلى أن قرار باكلي ضد فاليو هو أحد أسوأ القرارات الصادرة عن المحكمة العليا، واعتبرت أنه من شأن تعيين حد أقصى للنفقات في الحملات أن يخدم العملية السياسية أكثر من فرض سقف على المساهمات، هذا إذا كان التفريق ضرورياً، مع العلم بأنه ليس كذلك. الحجة هي على الشكل الآتي "السقف الموضوع للإنفاق السياسي يمنع المموّلين من التحكّم بالحملة الانتخابية لأنه يشجّع المرشحين على توسيع عدد المساهمين في إنفاقهم بدلاً من البحث المهووس عن مصادر الدعم المالي الهائل في أوساط اللوبيات من ذوي المصالح الخاصة والشركات الكبيرة". بالفعل، اعتبرتُ المحكمة العليا المؤتمنة المحتملة الأساسية على مبدأ "لكل شخص صوت انتخابي"، والمدافعة عن صوت المواطن ضد إغراقه في أموال الشركات. كم كنت مخطئاً.
في قرار باكلي ضد فاليو، توقّفت المحكمة العليا في ظل قاضي القضاة بيرغر عن الدعوة إلى المساواة التي كان أطلقها سلفه العظيم أورل وارن. وفي ظل رئيس المحكمة الحالي روبرتس، حتى المجهود الثنائي الحزب الذي حملت لواءه شخصية بحجم جون ماكين، القائد السياسي الجمهوري الأكثر تأثيراً، والذي يهدف إلى الحد من التأثير الشائن للمال على العملية السياسية، أجهزت عليه المحكمة.
لا يمكن أن تكون هذه نهاية القصة، لكن التعيين المقبل في المحكمة أصبح شرطاً أساسياً لأي إصلاح خلال رئاسة أوباما.
(أستاذ في جامعة يوتاه وجامعة القديس يوسف – ترجمت المقال عن الانكليزية نسرين ناضر)
"النهار"




















