بور – أو – برنس (هايتي) – من علي بردى:
فيما يسعى الهايثيون الى طي الصفحة الجنائزية الثقيلة لموتاهم، يحاول العالم مساعدتهم بقدر غير حاسم على استشفاف الأمل مع انبعاث بعض الحياة هنا وهناك من رحم الألم. بعض الناجين من الزأرة العظيمة لزلزال هذه الأرض يلقى عزاء النفس أحياناً بأن لا خيار آخر سوى إرادة البقاء، مع أن المأساة في هايتي تكاد تفوق الخيال.
بالإضافة الى المستشفيات العسكرية التي أبحرها الجيش الأميركي وغيره من أنحاء العالم الى الشواطىء الكاريبية لمعالجة المصابين، أقامت مؤسسات خيرية عالمية عدة ومنظمات أخرى كجامعة ميامي التي أنشأت مستشفى ميدانياً ضخماً في بور – أو – برنس بالتعاون مع مشروع "بروجكت ميديشير فور هايتي" الخيري لمؤسسه الدكتور بارث آي. غرين ومؤسسة "بارتنرز إن هلث" (شركاء في الصحة) الإنسانية المنبثقة من جامعة هارفرد والتي يديرها ايفان ليون وجمعيات كندية وفرنسية وبريطانية، لمعالجة المصابين والمرضى على أيدي أطباء وممرضين وممرضات تقاطروا من أنحاء العالم.
بينما انصرفت جهات أخرى الى فتح دور توليد للناجيات من الحوامل. في تلك الدور، يجد المرء بعض الفرح على وجوه من يحيطون بالوافدين الجدد من الهايثيين الى هذه الحياة. وقد اهتز ضمير العالم أخيراً بسبب القضايا الناشئة عن الإستعباد الجديد أثر شيوع أنباء كثيرة عن الإتجار بالأولاد من جهات بعضها أميركي وبالأعضاء من جماعات اسرائيلية أتت الى هايتي تحت جنح المساعدة الإنسانية، وأبرزها حادثة اعتقال عشرة أميركيين كانوا يحاولون نقل أطفال الى الولايات المتحدة، فاعتقلتهم السلطات المحلية ووجهت اتهامات جنائية اليهم، بعدما أعادت الأطفال الموجودين في واحدة من قرى الأطفال "أس أو أس" في بور – أو – برنس.
الى هؤلاء، تختصر التجارب الشخصية لمواطنين هايثيين، مثل ميشيل مونتاس التي تقاعدت قبل أسابيع من منصب الناطقة بإسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون في نيويورك وايرفيه آلسيندور الذي كان يعمل محامياً ومدرساً للغة الإنكليزية قبل أن يدمر الزلزال مكتبه ومدرسته والصحافي برنار كاديه الذي لم يبق لديه شيء سوى سيارته ليعمل عليها سائقاً، قصصاً لكثيرين نجوا من الكارثة ولا يزالون يتعلقون بخيوط الأمل.
قبل خمسة أيام فحسب من الزلزال المدمر، عادت مونتاس، وهي من أقلية قليلة للبيض، الى بلادها لتزور والدتها البالغة من العمر 95 سنة. ولم تكد تهنأ قليلاً بوالدتها وأقاربها وأصدقائها في ضاحية بيتشونفيل الراقية في أعالي بور – أو – برنس، حتى زلزلت الأرض زلزالها "فشعرت بأن بيتي يموج في كل الإتجاهات ويقفز من مكان الى آخر. وسمعت زئيراً هائلاً استمر نحو دقيقة ينبعث من باطن الأرض". وخرج الجميع من المنزل الذي صمد، ليشاهدوا من بعيد غمامة بيضاء كثيفة تتصاعد من كل أنحاء العاصمة المنكوبة. لم تتأثر بيتشونفيل بصورة سيئة جداً من الزلزال، وإن تهاوى عدد من المنازل فيها، غير أن سكانها فضلوا البقاء في العراء على العودة الى منازلهم خشية حصول زلزال آخر، لا تزال غالبية الهايثيين تتحدث عنه. في الصباح التالي مشت مونتاس، وهي صحافية سابقة نجت من الموت قبلاً في عملية اغتيال قضى فيها زوجها الصحافي، الى قلب المدينة على قدميها ورأت المشهد المروع: الجثث على الأرصفة أمام المنازل المنهارة، القصر الرئاسي صار خراباً، الكنائس مدمرة بما فيها كاتدرائية بور – أو – برنس التي تمثل جزءاً رئيسياً من الهوية الوطنية للهايثيين. غير أن الناجين "هبوا لنجدة بعضهم بعضاً من هذه الكارثة الأبوكاليبتية، حتى قبل أن يدرك العالم حجم ما حصل وقبل أن تأتي أي مساعدة دولية". وإذ تتأمل قليلاً، تنقل عن ناجية هايثية أخرى فقدت زوجها وعدداً من أقاربها في الزلزال، أن "من ينجو من الموت يتعلق بالحياة أكثر".
كان آلسيندور، وهو من الأكثرية الساحقة للسود، خارجاً لتوه من مكتبه عائداً مشياً الى منزله حين ضربت الأرض ضربتها الساعة 04:53 بعد ظهر 12 كانون الثاني الماضي. لثوان لم يتمالك الوقوف بثبات على أرض رآها تنخسف تحت قدميه، ثم "رأيت البيوت وداراً للسينما وفندقاً تتهاوى من حولي والناس يلفظون صرخات الموت والألم. جثوت أرضاً وقلت في نفسي: هذه هي نهاية العالم. صليت ودعوت الله ألا ينهي هذا العالم". وما أن استقرت الأرض، حتى هرع الى منزله ليجده متهالكاً وقضى فيه ثلاثة من أقربائه. أما اليوم فعزاؤه أن آخرين من أسرته بقوا على قيد الحياة.
وترفض مونتاس الاعتقاد الخاطىء أن الزلزال دمر الحكومة الهايتية" التي بدت عاجزة عن القيام بأي شيء فور حصل الكارثة، معتبرة أن "معالم الدولة هي التي دمرت، إذ لم تعد هناك مبان حكومية، وتعطل نظام الإتصالات تماماً مدة ثلاثة أيام، وبقيت إذاعة واحدة تعمل من أصل 40 كانت موجودة في العاصمة". وأضافت أن الرئيس رينيه غارسيا بريفال "خرج وحيداً وأخذ تاكسي على دراجة نارية، ليجول في تلك الليلة في العاصمة ويطلع على حجم الدمار، وبقي يتصل طوال الليل وفي اليوم التالي بالحكومات الأجنبية للحصول على مساعدات، وذهب الى السفارات الأجنبية التي لم تسقط. وفي اليوم التالي عقدت الحكومة اجتماعها الأول تحت شجرة مانغو في مقر للشرطة قرب المطار".
يعتقد كثيرون أن الحضور الدولي الفاعل ساهم ليس فقط في تجنب فوضى كارثية في بلد بالغ الهشاشة، بل في انعاش الأمل عند الهايتيين. ويقول آلسيندور: "نحن ممتنون لما نحصل، ولو لم يكن كافياً"، مضيفاً أن "مغادرة مئات الآلاف العاصمة عائدين الى مناطقهم يرفع جزءاً من العبء الملقى على عاملي الإغاثة الدوليين". وهو يوافق كاديه، الأسود البشرة أيضاً، على أن "المفارقة تكمن في أن الكارثة تمثل فرصة لتعزيز اللامركزية، عبر تعزيز السلطات والمؤسسات المحلية في محاولة لتطوير المناطق الأخرى". وترى مونتاس أنه "بطريقة ما كانت هايتي مخلوقاً عجيباً برأس كبير جداً هو بور – أو – برنس وبجسم صغير هو بقية البلاد". وبعد لحظات من التأمل، قالت: "كنت على الدوام متفائلة ببلدي. لدي أمل لأن الهايثيين أظهروا طوال السنوات المئتين السابقة حباً للحياة ومرونة".
يتوافق كثيرون من السود والبيض الآن على الإعتقاد أن ثمة حاجة الى وجود أجنبي، بالإضافة الى مهمة الأمم المتحدة للإستقرار في هايتي "مينوستاه"، ليس فقط لمساعدة هذه البلاد الهشة على الحفاظ على النظام العام نظراً الى ضعف السلطات المحلية، بل أيضاً لمساعدة هايتي على القيام من كارثة الزلزال ومن أزمات استحكمت على فقر مدقع، تقول مونتاس وآلسيندور: "لعلنا نحتاج الى الوجود الأجنبي ليس فقط على المدى المتوسط بل أيضاً على المدى الطويل".




















