غسان شربل
تحتاج الثورات الكبرى الى الجثث. لتؤكد طي صفحة. واقتلاع رموز. وشطب قاموس. لترهيب أعدائها. وكسر إرادتهم. واغتيال آمالهم بإمكان العودة الى ما كان.
تحتاج الثورة الى الجثث. لإعلان انتصارها الحاسم والقاطع. وإقناع الناس أنها باتت الخيار الوحيد. والطريق الوحيد. وتقع الثورات في الأوهام التي تنتاب الأفراد. تتوهم أنها جاءت الى السلطة ولن تغادرها. وأن إقامتها مفتوحة. وأنها قادرة على تجديد هيبتها والحاجة إليها وحرمان خصومها من استجماع القدرة على هز ركائزها.
تفتك الثورة بأعدائها ولا تتردد في التهام أبنائها حين تتباين الرهانات والحسابات والقراءات. ما سمعناه عن نبل الثورة الفرنسية لا يلغي كم قطرت دماً. وإنها التهمت بعض صانعيها أو روادها. وإن ترهيب الأعداء سرعان ما يخلي الساحة لترهيب الأبناء. الثورات التي هزت القرن الماضي وتطلعت الى بناء إنسان جديد قطرت دماً هي الأخرى. كانت الحرية ذريعة ولادتها ثم تحولت الضحية الأولى بعد مهرجان انتصارها.
متعة التاريخ قدرته على التعري من الحبر الرسمي. لإعادة كتابة الرواية التي اعتقد مدبجوها أنها الأخيرة. وفي الكتابة الجديدة تجلس الإنجازات الى جانب الويلات والخيبات والممارسات التي تفتح باب السقوط أو تعمق المأزق في حين يعتقد مرتكبوها أنها ضمانة الاستمرار والاستقرار.
تقع الثورات في ما يقع فيه الشباب الحالم المتحمس. تعتقد أنها قادرة على جبه الصعاب وحل المعضلات. وعلى بناء مجتمع جديد على أسس جديدة. وبناء إنسان الثورة. وتتوهم أن جمر الفترة الأولى سيدوم طويلاً. وأن النقاء سيحمي من خيبات الممارسات وقسوة الأرقام.
تختلف الثورات. تحمل ملامح حقباتها ومجتمعاتها ومنابعها ومناهجها. ويبقى الامتحان دائماً ماذا فعلت للناس. لحاجاتهم وطموحاتهم وحقوقهم. راودتني هذه الأفكار وأنا أرى إيران تستعد للاحتفال بالذكرى الحادية والثلاثين لقيام ثورتها. وهي جاءت في الحقيقة من خارج قاموس الثورات التي تركت بصماتها على القرن العشرين.
انتصرت الثورة الإسلامية في إيران بقوة الناس وهدير الشارع. انتصرت بالذين أقنعتهم واجتذبتهم فتدفقوا الى الشوارع بقبضاتهم وهتافاتهم وعنادهم. كانت المبايعة واسعة وصريحة فتشقق النظام وتهاوى. ثم افترقت حسابات فكانت تصفيات وإعدامات. احتاجت الثورة الى الجثث لشطب الشركاء وإنهاء تعدد الألوان والرؤى.
كانت الثورة الإيرانية زلزالاً في الإقليم. وتقدم صدام حسين لحماية نظامه من الزلزال. لمنع تصدير الثورة والنار. وكانت الحرب العراقية – الإيرانية التي أرغمت الثورة على الانشغال بجروحها ثماني سنوات. ثم تغير العالم وانتحر الاتحاد السوفياتي فعاودت الثورة برنامج التصدير لتتقدم بعد غياب صدام حسين على محوري التصدير والتخصيب.
لا يتسع المجال هنا لجردة حساب لكن الأكيد أن ما تعيشه إيران منذ إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد يطرح أسئلة عدة. أسئلة عن علاقة الثورة بالدولة. وعلاقة الثورة بالناس. وما حققه النموذج في السياسة والاقتصاد. وكيف تعامل مع الحريات. ومع الذين ولدوا في ظل الثورة. ولماذا شعرت الثورة بالقلق من احتجاجات ما بعد الانتخابات. ولماذا اضطرت الى إعدام اثنين من المشاركين وتلوّح بإعدام تسعة. وهل تحتاج الثورة بعد ثلاثة عقود الى جثث لتبدد مخاوفها من أبناء يطرحون أسئلة متزايدة عن الثورة وقاموسها؟ واضح أن مؤسسات الثورة الإيرانية ليست مهددة بالسقوط لكن الأكيد أن الجثث المتأخرة لا تحل مشكلة الثورة بل تؤكد وجود المشكلة.




















