وسام سعادة
يصعب تقدير الإتجاه الذي سيفضي إليه العنف الكلاميّ الإسرائيليّ المتصاعد والذي امتدّت دائرة تهديداته لتشمل إيران وسوريا ولبنان وقطاع غزّة. لكن في الشكل، يحاكي العنف الكلاميّ الإسرائيليّ منطق "الحرب الشاملة" أو "الحرب الكليّة"، وخصوصاً إذا ما استجمعت جميع التهديدات لترسم لوحة عدوانيّة موحّدة.
وإذا ما شئنا النفاذ من الشكل إلى المضمون، لوجدنا أنّ هذا العنف الكلاميّ يعبّر بادئ ذي بدء عن لحظة بعينها: اللحظة التي ينعي فيها الرئيس الأميركيّ باراك أوباما جهود عام كامل حاولت خلاله إدارته إحياء ولو مسار واحد من عملية التسوية في المنطقة. بل هي اللحظة التي يوزّع فيها الرئيس الأميركيّ المسؤوليّات بالتساوي على الفلسطينيين والإسرائيليين، الأمر الذي يعني عمليّاً أن إسرائيل باتت طليقة اليد من جهة الموقف الأميركيّ، وأنّه لا يمكن الإعتماد، كما في العام الأوّل من رئاسة أوباما، على الضوابط الأميركيّة للعدوانيّة الإسرائيليّة.
هذا لا يعني أنّ هذه العدوانيّة استكملت شروط انتقالها من عالم "الإمكان" إلى عالم "الحدوث". فصحيح أنّه ليس في إسرائيل اليوم من معسكر يحتمل فكرة التسوية الإقليميّة في حدّها الأدنى، إلا أنّ اسرائيل ما تزال بعيدة عن تأمين الإجماع، على الصعيد المجتمعي كما على صعيد النخبة الحاكمة، للمغامرة في حرب جديدة، لا سيّما وأنّه يبدو أنّ أي حرب جديدة، إمّا أن تكون شاملة، وتقارب الحرب الكليّة، أو لن تكون.
لكن تجري عمليّاً عمليّة التهيئة النفسيّة والماديّة لاستكمال شروط انتقال العدوانيّة إلى طور الفعل. ثمّة بشكل رئيسيّ اتجاه متعاظم داخل النخبة العسكريّة، باتجاه الاستعداد لحملة عسكريّة نوعيّة من شأنها إعادة خلط الأوراق في المنطقة، بل وإعادة خلطها، تجاوزاً، على الصعيد العالميّ. لكن ثمّة أيضاً سياسة مائلة أكثر فأكثر نحو التشدّد، وهو تشدّد يشكّك أكثر فأكثر بالاستقرار الأمنيّ النسبيّ الذي تعيشه اسرائيل منذ انتهاء حرب غزّة. يقول أهل هذا التشدّد إنّ هذا الاستقرار ظرفيّ وغير مضمون، وإنّ الاطمئنان إليه من شأنه أن يعرّض الدولة العبريّة لأمور غير متوقّعة من قبل أعدائها.
فكما أنّ الجيش الإسرائيليّ هو في مرحلة الضغط على المؤسسة الحاكمة باتجاه تصعيد الاحتمالات الاحترابية والعدوانية في المنطقة، فإنّ المجتمع الإسرائيلي يعيش، من وجهة نظر اليمين المتشدّد المتسيّد للعبة السياسية، مرحلة الاستعداد النفسيّ والفعليّ ليوم قد يجد فيه نفسه وسط حرب شاملة، أو كليّة.
ليس سهلاً أن تندلع مثل هذه الحرب الشاملة، أو الكليّة، في المنطقة، هذا العام. لكن، ليست مستحيلة أبداً، ولا ممتنعة. في الواقع، تبدو كل الحروب مستبعدة طالما هي لم تقع؛ وتصير، حالما تندلع، كما لو كانت محتومة ومقرّرة منذ كل وقت. ينطبق ذلك تماماً على منطقة الشرق الأوسط. إنّ حرباً لو جرت، لن تكون إلا كليّة، وشاملة، أو ستجد نفسها مندفعة نحو أن تكون كليّة، وشاملة. هذا ما يجعلها صعبة التحقق إلى الآن، وهذا ما يجعلها مرعبة إذا ما تحقّقت. لأجل ذلك، فإنّ إستراتيجية تجنّب هذه الحرب هي الإستراتيجية الأسلم للشرق الأوسط ولأنصار السلم والتسوية فيه على أساس مبادرة السلام العربية، وهي الإستراتيجية الأسلم للبنان، أي الإستراتيجية التي ينبغي أن ترفعها الحركة الاستقلالية اللبنانية كعنوان للمرحلة، عنوان يمكنها أن تجمع، على أساسه، بين تركة السنوات التي مرّت والواقعية التي تفرضها اللحظة الاقليمية الحالية.




















