تشي الانتقادات التي وُجّهت إلى أمين الجميّل وفؤاد السنيورة، وخصوصاً إلى سمير جعجع، بمعانٍ كثيرة تتجاوز موضوعات النقد ذاته أو أشخاص النقّاد أنفسهم. وهي تتجاوزهم إلى منظومة ثقافيّة كاملة ليس لبنان سوى مسرح صغير، وإن كان معبّراً، من مسارحها.
فخطباء ذكرى اغتيال رفيق الحريري هؤلاء يمكن توجيه ألف نقد إليهم إلا هذا الذي أُجمع على نشره وتعميمه: أنّهم «خرقوا» الإجماع و «فاجأوا» وقالوا ما لا يجوز قوله. لقد قُدّموا كما يُقدّم الفضائحيّون ممّن يخالفون الأخلاق السائدة والأعراف الشائعة.
ومعنى ذلك أنّ المطلوب من المذكورين أعلاه، وعلى ما تروي نكتة شهيرة، أن يقولوا: لقد قضى الرجل بضربة شمس أو بلسعة كهرباء، وكلّنا في النهاية إخوان. فهذه هي الترجمة الإنشائيّة الوحيدة، الممكنة والمقبولة، لواقع «حكومة الوحدة الوطنيّة» ولمحاولة استعادة «الإجماع على المقاومة»، وربّما في غدٍ على «تلازم المسارين» و «الشعب الواحد في دولتين». وممكنٌ أيضاً، بل مطلوب ومرحّب به، تشديد الحملة على الولايات المتّحدة وطبعاً على إسرائيل.
على هذا النحو تُفتَح «الصفحة الجديدة»، من دون أن نعرف ما هي بالضبط الصفحة القديمة التي طُويت. وعندها لا يعود مستبعَداً تطويب سمير جعجع المطران كبّوجي الزمنيّ، أو رسم فؤاد السنيورة حفيداً أصيلاً لجمال عبدالناصر. ذاك أنّ كلّ تحديد مرفوض وكلّ تعيين مدان وكلّ تسمية من عمل الشيطان.
ما لا شكّ فيه أنّ «ثقافة سياسيّة» كهذه لا تنتج إلا الكذب والكذّابين، والنفاق والمنافقين، والانتهازيّين الذين يُظهرون عكس ما يضمرون. وهذا عليه اليوم، في لبنان وفي غيره، طلب كثير.
في محيط ثقافيّ كهذا، عماده الإجماع الكاذب، يمكن أن نفهم الشجاعة الاستثنائيّة والخارقة لأشخاص كالحبيب بو رقيبة حين رأى، منذ أواسط الستينات، أنْ لا بدّ من العودة إلى قرار تقسيم فلسطين، أو كأنور السادات الذي اكتشف، في أواخر السبعينات، عقم استئناف الحروب وأهميّة اتّباع نهج مغاير لكلّ ما عهدناه وألفناه. إلا أنّ أمثال هؤلاء نادرون في مجتمعاتنا.
فالثقافة التي نحن في صددها لا تحتمل شيئاً يتعدّى الاستماع إلى صدى صوتها. وهذا الصدى قد يكون عروبيّاً أو إسلاميّاً، بعثيّاً أو يساريّاً، فهذه حدود الاختلاف الممكن. غير أنّ الخلاصات ستكون واحدة في آخر المطاف، بحيث تضيف تنويعات إلى المعادلة إيّاها: نحن الحقّ وهم العدوّ. بل تُطلق هذه الثقافة السياسيّة الملوّثة، ردّاً منها على التعيين والتحديد والتسمية، حركة تنافس وضيع بين انتهازيّين صغار، تنافسٍ يتّخذ شكل المزايدة في «مطاردة الساحرات». فثقافة «كونوا مجمعين ولو كنتم تكذبون» هي التي تحكمنا اليوم.
ما يحصل في محيط كهذا أنّ الكلام الفعليّ ينسحب إلى الغرف المغلقة فتضاف جدران جديدة إلى ذاك العازل التاريخيّ بين ما يُظنّ وما يقال، وبين ما يقال وما يُفعل. أمّا اليد التي «لا تقدر عليها، فقبّلها وادعُ عليها بالكسر»، على ما تقول حكمة شرقيّة لم يكن المستشرقون من نسبها إلينا.
واستتباعاً، تنعدم إمكانيّة السياسة أصلاً، لا بسبب السلطات المستبدّة، بل، قبل ذلك، على أيدي المجتمعات المذعنة لمألوفها ولما هي دارجة عليه. أمّا تحمّل الاختلاف والانشقاق، دع الديموقراطيّة جانباً، فيبقى إلى أضغاث الأحلام أقرب.
وهذا، والحقّ يقال، ما لا يشجّع أيّ طرف في العالم على حمل كلامنا على محمل الجدّ، واستطراداً، على حملنا، نحن أنفسنا، على ذاك المحمل. لكنّه يشجّع أيّ طرف خارجيّ على ادّعاء «إنقاذنا» ممّا نحن فيه وممّا لا نجرؤ على قوله، ناهيك عن مواجهته. وأمّا المحكومون بالصمت واليائسون من مقاومة إجماعه الكاذب، فلا يُترك لهم إلا البناء على يأسهم والذهاب معه إلى حيث يقود خطاهم. وتبقى الهاوية في انتظار الجميع!
"الحياة"




















