يصرّ الرئيس الأميركي باراك أوباما على اللعب داخل قفص التنين، فهو مستمر في صب المزيد من الزيت على نار العلاقات المتوترة أصلاً بين واشنطن وبكين. وهاهو يستعد لعقد اللقاء مع الدلاي لاما الزعيم الروحي للتبت منتصف الشهر الجاري، وإذا ما حصل هذا اللقاء فسيكون بمثابة "الهدية الملغومة" التي تقدمها الإدارة الأميركية للصين في غمرة احتفالاتها بعام النمر وفق التقويم القمري الصيني.
وللتذكير فإن أوباما كان قد أحجم عن لقاء الدلاي لاما في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لتجنب إزعاج الصين قبيل زيارته لبكين في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، مما عرض الرئيس الأميركي لحملة انتقادات لاذعة داخل الولايات المتحدة اتهمته بالرضوخ لمطالب الصين على حساب "قضايا إنسانية وأخلاقية أميركية".
وليس من المصادفة ان الشعب الصيني عبّر عن تشاؤمه من هذا العام، ويتوقعون أن يحمل معه الكثير من التوترات على صعيد العلاقات الصينية الخارجية وخصوصاً مع الأميركيين، حيث ستكون التاء المكعب (تايوان ـ تبت ـ تجارة) عناوينها الرئيسية.
وكما يبدو فإن إدارة أوباما لا تكترث للتهديدات الصينية التي حذرت من أن الدخول في قفص التنين ليس كالخروج منه، لذلك سيشكل عقد اللقاء بين الدالاي لاما وأوباما ضرراً بالغاً في العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي أكده جو وي تشون نائب رئيس جبهة العمل الوطني الموحد بالحزب الشيوعي الصيني، (الجهة المعنية بإدارة شؤون الأقليات القومية)، أن مثل هذا اللقاء سيضر بالتعاون والثقة بين الجانبين. وقد لمح المسؤول الصيني بتساؤل لا يخلو من تهديد مبطن: "كيف سيساعد ذلك الولايات المتحدة في الخروج من تبعات الأزمة المالية؟". وفي ذلك إشارة إلى أن بكين لم تحدد من جانبها الإجراءات التي قد تتخذها في ذلك الحين، وقد تركت الباب موارباً أمام المزيد من التكهنات في ضوء إقدامها على خطوات غير مسبوقة كتلويحها بفرض عقوبات على شركات أميركية رداً على صفقة الأسلحة الضخمة التي تنوي واشنطن بيعها لتايوان.
بطبيعة الحال قد لا تكتفي الصين بإلغاء بعض الزيارات واللقاءات المقررة لمسؤولي البلدين بما في ذلك الزيارة المزمعة للرئيس الصيني هو جينتاو إلى واشنطن في أبريل/نيسان القادم. إلا أنها تبعث برسائل من خلال القول إن اللقاءات التي تجريها شخصيات دولية مع الدلاي لاما تعد تدخلاً فظًّاً في الشؤون الداخلية الصينية لكون بكين لا ترى في الدلاي لاما شخصية دينية وروحية فقط بل تعتبره ناشطاً سياسياً يسعى إلى الانفصال وتجزئة الوطن.
إن تشديد بكين لموقفها الرافض لمثل هذه اللقاءات كرسته في أعقاب أحداث العنف التي شهدها إقليم التبت عام 2008، حيث قامت بإلغاء قمة صينية أوروبية احتجاجًا على لقاء بين الدلاي لاما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما كانت بلاده ترأس الاتحاد الأوروبي. غير ان هذا الضغط تجاه تعامل الغرب مع الدالاي لاما لم يمنع الصين من فتح حوار مباشر مع ممثلين شخصيين عن زعيم التبت بلغت تسع جولات منذ عام 2002 كان آخرها الأسبوع الماضي بعد توقف دام أكثر من عام.
وما يقلق الحكومة الصينية هو إصرار الدلاي لاما على الحصول على ما يسميه حكماً ذاتياً حقيقياً لإقليم "التبت الكبير" الذي يشمل إلى جانب التبت أيضاً إقليم تشينغ خاي وجنوب إقليم غانغسو وغرب إقليم ستشوان وشمال غرب إقليم يونان، حيث تعيش أقليات تبتية على مساحة تشكل ربع مساحة الصين تقريبا وهو الأمر الذي ترفضه بكين رفضاً قاطعاً. بل ولا تسمح حتى التفكير به.
لا شك أن طبيعة الرد الصيني وقوته ستحدده طبيعة اللقاء نفسه وما إذا كان الرئيس الأميركي سيلجأ إلى حل وسط يرضي أوساطًا أميركية نافذة ولا يزعج الصين كثيراً وهو أن يكون اللقاء بعيداً عن كاميرات وسائل الإعلام. لكن مراقبين آخرين يرون أن المعارضة الصينية هذه المرة هي معارضة مبدئية بغض النظر عن شكل اللقاء، فالصين ترى نفسها قوة إقليمية صاعدة تمتلك الكثير من أوراق القوة والضغط مما يؤهلها لفرض تحول إستراتيجي وفرض أسس جديدة في علاقتها بواشنطن تقوم على الندية الكاملة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
"المستقبل"




















