لا يختلف شباب لبنان، ممن بلغوا الثامنة عشرة من عمرهم، عن آبائهم واجدادهم من حيث كونهم ضحية تقاسم الحصص الطائفية في بلدهم. فهؤلاء الشباب الذين «فوجئوا»، بعد جلسة المجلس النيابي اول من امس، بأن التفاهم على القرارات الدستورية والسياسية في لبنان يخضع للاعتبارات المذهبية والطائفية، كان عليهم أن يتعلموا في المدارس والجامعات ان كل التسويات التي تحققت بعد الحروب التي اشتعلت في البلد خلال عمره القصير، تمت على أسس طائفية، ولم يكن ممكناً ان تكون غير ذلك، طالما أن الحروب ذاتها تم خوضها تحت شعارات وبأزياء طائفية.
خفض سن الاقتراع الى 18 سنة حق للشباب اللبناني لا يمكن أن يجادل فيه أحد، أسوة بما اكتسبه معظم الشباب في البلدان المتقدمة من العالم. لكن طبيعة التركيبة اللبنانية جعلته يتحوّل من حق سياسي ووطني الى «حق طائفي»، واحتشد معارضو حصول الشباب على هذا الحق تحت حجة أن السماح لهؤلاء الذين بلغوا الثامنة عشرة بالاقتراع سيزيد من اعداد اتباع المذاهب الاسلامية، بحيث يتغلبون عددياً على مواطنيهم من الطوائف الاخرى. وهكذا بدأت عملية «احصاء شباب» لا مثيل لها في اي بلد يدعي الانتماء الى العصر، خصوصاً عندما تتم على هذه الأسس الطائفية ولأغراض طائفية. فتبيّن أن عدد الناخبين سيزيد 250 الف شاب اذا تم خفض سن الاقتراع، بينهم 190 الف شاب مسلم و60 الف مسيحي. ولم يساعد النواب الذين أيدوا مشروع خفض السن على التخفيف من هذا الاتهام الطائفي، اذ أن لونهم الطائفي المشترك كان طاغياً وواضحاً، وذلك في مقابل الاحتشاد الطائفي ذات اللون الآخر الذي امتنع عن التصويت وحقق عملياً اسقاط حق الشباب في المشاركة في عملية الاقتراع … الى امد غير منظور.
وهكذا، فمثل طرح شعار الغاء الطائفية السياسية، الذي ارتدى هو الآخر زياً طائفياً، وأثار طرحه في هذا الوقت حساسيات طائفية، على رغم كونه شعاراً جذاباً يفترض أن يشكل قاعدة للالتقاء الوطني من حوله بامتياز، راح كذلك حق الشباب في المشاركة في الحياة السياسية ضحية اكتساب المطالبة بهذا الحق لوناً طائفياً ايضاً.
اذا كان من درس من كل هذا فهو ان الطائفيين لا ينتجون بلداناً وانظمة غير طائفية. وأن طرحهم، ولو بدا وكأنه طرح وطني يتجاوز الطوائف، لا بد ان تشتمّ منه الطوائف الاخرى رائحة طائفية، فتلتقي حول دفنه. ومثلما بدا خفض سن الاقتراع وكأنه في مصلحة طرف طائفي، هكذا ظهر الرد عليه بالمطالبة بإتاحة المجال امام المقيمين خارج لبنان للتصويت واستعادة المغتربين الجنسية اللبنانية، وكأنهما لمصلحة الفريق المسيحي الذي اراد ان يربط بين هذين المطلبين وبين موافقته على خفض سن الاقتراع، مع انهما ايضاً من حقوق المواطنة المتعارف عليها في الدول الراقية.
مع سقوط حق الشباب في التصويت سقط ايضاً وهْم آخر، هو وهْم التفاهمات الوطنية التي تزعم انها عابرة للطوائف، خصوصاً اذا كان اطرافها قد بنوا زعاماتهم وتنظيماتهم نفسها على قواعد طائفية بل مذهبية متينة. وامامنا مثال جلي عبّر عنه انفكاك التفاهم بين «التيار الوطني الحر» و «حزب الله»، عند منعطف الامتحان في المجلس النيابي للتصويت على تعديل الدستور، فذهب نواب كل من الفريقين الى حيث كان منطقياً ان يذهبوا، أي كل الى «قطيعه». وبدا النواب في تلك الجلسة اكثر صدقاً مع حقيقة مشاعرهم الطائفية ومع مشاعر ناخبيهم، من كل التفاهمات التي كان هدفها ان تزيّن للناس ان مشاعر اولئك النواب هي في مكان آخر.
"الحياة"




















