كان قبول وزراء الخارجية العرب إعطاء فرصة أخيرة للمفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين تأكيدا لحقيقة يعرفها المجتمع الدولي جيدا: أن العرب مستعدون لإعطاء السلام فرصة حتى مع قناعتهم شبه الأكيدة بأن الجانب الإسرائيلي ليس جادا وغير معني بتحقيق السلام العادل. فالحكومة الإسرائيلية تتمادى كل يوم في تحدي القرارات الدولية ولا تترك فرصة لإجهاض العملية السلمية وإشعال الصراع مجددا دون أن تستغلها. فمنذ أيام فقط قررت السلطات الإسرائيلية ضم الحرم الإبراهيمي إلى التراث الإسرائيلي وهي تعرف تماما مدى قدسية هذا المكان بالنسبة للمسلمين. ومنذ أيام دنس مئات السياح الغربيين والمتشددين اليهود باحات المسجد الأقصى بحماية الجنود الصهاينة. ومنذ أيام أصدرت بلدية القدس قرارا بهدم مئات البيوت الفلسطينية في حي البستان بذريعة عدم حصولها على تراخيص بناء، لكنها اضطرت إلى تأجيل تنفيذ القرار بعد تدخل أمريكي مباشر. وبالطبع فإن عمليات التوغل التي تقوم بها قوات الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وما يصاحبها من هدم وقتل وتجريف أصبحت واقعا يوميا لم يعد يحظى حتى باهتمام أجهزة الإعلام.
إن قرار قبول استئناف المفاوضات غير المباشرة جاء بمثابة "قشة" ألقاها وزراء الخارجية العرب أملا في أن يستخدمها جورج ميتشل، العائد إلى المنطقة، لإنقاذ عملية السلام الغارقة. ومسؤولية الجانب الأمريكي تتمثل بالدرجة الأولى في ألا يسمح لإسرائيل باستخدام تلك "القشة" لقصم ظهر العملية السلمية والقضاء عليها بشكل نهائي، فالإدارة الأمريكية الحالية أعلنت التزامها منذ البداية بحل الدولتين، وطلبت من إسرائيل تجميد الاستيطان كشرط لاستئناف المفاوضات، لكن إعلان هيلاري كلينتون الشهير، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نتنياهو، بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية قامت بخطوات "غير مسبوقة" لإنجاح عملية السلام جاء مخيبا لآمال الكثيرين الذين اعتقدوا أن الإدارة الأمريكية الحالية ستتخذ مواقف أكثر توازنا من الصراع في الشرق الأوسط، ومنذ ذلك الحين، عادت إدارة أوباما إلى دائرة الضغط على الضحية وإعفاء الجلاد في محاولة لتحقيق اختراق سياسي في الشرق الأوسط تقدمه للناخب الأمريكي لتظهر أنها توفي بالتزاماتها.
إن مبادرة السلام العربية لا تزال الإطار الوحيد المقبول لتحقيق السلام العادل، لكنها، كما سبق وأشار خادم الحرمين الشريفين، لن تبقى على الطاولة إلى ما لا نهاية. وإذا كان الوضع الراهن لا يساعد على استعادة الحقوق العربية المغتصبة، فإن ذلك لا يعني التفريط في حرمان الأجيال القادمة من حقهم في استعادتها مستقبلا، لذلك فإن القمة العربية القادمة، والتي ستعقد في ليبيا الشهر القادم، يمكن أن تتحول إلى قمة "خيارات" يدرس خلالها القادة العرب خياراتهم في حال لم تثمر الأشهر الأربعة التي منحها وزراء الخارجية العرب للمفاوضات غير المباشرة عن نتائج ملموسة.
لا يكفي أن نعطي اللص فرصة لإعادة المسروقات، لكن عليه أن يعرف نتيجة إضاعة هذه الفرصة
الوطن السعودية




















