مدريد ـ «القدس العربي»: تتابع الحكومات والجهات الأمنية ومراكز الأبحاث في عدد من الدول بقلق بالغ التطورات التي تشهدها مدن وعواصم غربية في ظرف وجيز، تزامنا مع موجة النيران التي انطلقت شرارتها من ثانويات فرنسا إلى ميلانو ثم إلى برشلونة، ومع احتمالات وصولها مدريد وغيرها من المدن بشكل مثير.
المخاوف لدى عدد من صناع القرار مبعثها رصد حسابات مجهولة على «تيك توك» وغرف دردشة مغلقة كانت تحلل بداية بشكل بسيط ضمن حلقات منفصلة، لكن الخبراء اكتشفوا أنهم أمام ظاهرة جديدة وعابرة للحدود والقارات، لكن يتم التعامل معها وقراءتها بأدوات الأمس، وسط خشية حقيقية من أن تجد طريقها نحو مدن عربية.
وكانت النقطة التي جذبت الاهتمام ليس لوسائل الإعلام ولجمهور السوشيال ميديا فحسب، بل لخبراء الأمن في عدد من الدول، ما كان يجري في برشلونة. فمساء السبت 24 تشرين الأول/اكتوبر 2026، لم يكن في ساحة كتالونيا بقلب برشلونة ما ينذر بعاصفة وشيكة. المشهد كان مألوفا بين سياح يستمتعون بوقتهم في المدينة التي تأسر قلوب الملايين، ويتجهون صوب جادة لارامبلا، ومتسوقين يتنقلون بين المتاجر الكبرى. وفجأة تدفق مئات الفتيان، وكثيرون منهم بوجوه ملثمة وأقنعة سوداء، من دون أن يرفعوا لافتة أو يرددوا شعارا أو يطرحوا مطلبا سياسيا. فجأة تحولت كاميرات الهواتف من معالم برشلونة نحو واجهات المحلات الفاخرة والعلامات التجارية التي كانت تنهب بشكل جماعي.
وحين أعلنت الشرطة حصيلة تلك الليلة، كانت الكفة ثقيلة بواقع 128 موقوفا، و23 متجرا مخربا أو منهوبا، إلى جانب 33 تدخلا لفرق الإطفاء، وإصابة 15 شرطيا، وصفت جراح أربعة منهم بالخطيرة.
غير أن الأرقام التي أربكت المحققين كمنت في تفاصيل أخرى، فقد تبين أن 72 من الموقوفين هم قاصرون، أي ما يعادل 56 في المئة من الإجمالي، فيما لم تسجل سوابق عدلية إلا لاثنين فقط، وكلتاهما في قضايا إخلال بالنظام العام. المفوضة الرئيسية لشرطة كتالونيا سيلفيا كاتا وصفت ما جرى بأنه «عنف مجاني»، مؤكدة أن الدعوة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية، وفي مقدمتها تيك توك. وبعد انفضاض الاشتباكات بساعات قليلة، تبخر الحساب الذي أطلق شرارة التحشيد.
وحاولت «القدس العربي» رصد تفاعلات الموضوع الذي كان إلى وقت قريب يبدو منفصلا عن سياقه وما يجري في أكثر من منطقة، لفهم أبعاد ودلالات ظاهرة صارت تشكل قلقا للكثيرين.
لم يكن ذلك المشهد مفاجئا لمن يرقب حركة الشاشات عن كثب، فقبل اندلاع الشغب بيوم واحد، نشر موقع «نيوترال» الإسباني تحقيقا استقصائيا حول حسابات على تيك توك تستدرج المراهقين لتكرار السيناريو الفرنسي في شوارع مدريد وبرشلونة. لقد كانت الشرارة مرئية بالكامل قبل أن تشتعل، غير أن أحدا لم يتعامل معها بما تستحق من جدية.
تتبعنا مسار موجة واحدة عبرت ثلاث دول أوروبية في غضون أسبوع، في سياقها الأوسع، لتتشكل ملامح الصورة العامة.
النتائج الأولية تشير لوجود فئات واسعة من جيل تحركه الخوارزمية لا النقابة، وتتحول المنصات الرقمية إلى بنية تحتية للحشد، بينما تتربص شبكات إجرامية تعرف كيف تستثمر الغضب الفتي، بالتوازي مع روايات مضللة تعبر اللغات أسرع من قدرة الواقع على تصحيحها. وهنا برز سؤال مزدوج حول مدى إصرار الحكومات على قراءة هذه الموجات بمنطق تجاوزه الزمن، ومدى حصانة المدن العربية أمام ارتداداتها.
لو عدنا قليلا للوراء لفهم نقطة البداية، فإن التقارير تعود ليوم 21 أيلول/سبتمبر 2026 من أمام ثانوية في منطقة كريتاي، جنوب شرق باريس، هناك أقدم تلاميذ غاضبون من نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتهالك المباني، على إغلاق مداخل مدرستهم بحاويات القمامة. في القاموس الطلابي الفرنسي يعرف هذا التكتيك الاحتجاجي القديم باسم «البلوكيس»، ويعني الإغلاق الشامل. وبعد نحو 10 أيام اتسعت الرقعة لتشمل تعطيل أكثر من ألف ثانوية، فيما قفز عدد الموقوفين في يوم واحد إلى 1948 شخصا.
وفي 17 تشرين الأول/اكتوبر، تقاطع غضب التلاميذ مع احتقان الشارع الفرنسي من غلاء المعيشة، وأحصت وزارة الداخلية يومها أزيد من نصف مليون متظاهر، لينتهي النهار بتوقيف قرابة 2400 شخص وإصابة ألف شرطي، بينما التهمت النيران مبنى بلدية ليموج التاريخية. عالم الجريمة الفرنسي آلان بور أطلق على هؤلاء الشبان تسمية «جيل نائل»، نسبة إلى الفتى الذي أشعل مقتله ضواحي فرنسا عام 2023، وهو جيل تداول على المنصات تحديات رقمية من قبيل «احرق ثانويتك».
في اليوم ذاته، عبرت الشرارة جبال الألب نحو إيطاليا، ففي ميلانو، انشق شبان ملثمون عن مسيرة ضد الغلاء، وعاثوا خرابا في محيط ساحة الدومو الشهيرة. وفي اليوم التالي تدفقت موجة ثانية من دون غطاء احتجاجي أو مسيرة معلنة، بعدما حشدت غرف الدردشة والبث المباشر على تيك توك ما يناهز ألفي شاب. واقتادت الشرطة الإيطالية 271 منهم إلى مراكز الشرطة، بينهم 220 قاصرا.
العدوى انتقلت من فرنسا وإيطاليا، نحو إسبانيا. فخلال يومي 18 و19 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، انتشر على تيك توك أكثر من عشرين حسابا جديدا يحمل جميعها اسم «بلوكيس». ولاحقا غزت المنصة ملصقات رقمية تدعو إلى التحرك الميداني في خمس مدن هي برشلونة ومدريد وفالنسيا وأليكانتي وبلباو. ووصل إيقاع الضخ بأحد تلك الحسابات إلى نشر 59 مقطعا مصورا في ظرف 48 ساعة فقط، ليشتعل قلب برشلونة.
ما لاحظناه أثناء التحقيق في عدد من المعطيات، أنه على امتداد هذه الرحلة الجغرافية، خضعت الكلمة لتحور دلالي كامل. فالمصطلح الذي كان يعني إغلاق مدرسة احتجاجا على نقص المعلمين، استحال في إسبانيا علامة تجارية جاهزة للنهب. ولا يعني الاحتفاظ بالاسم الفرنسي أن غرفة عمليات في باريس أدارت الحسابات الإسبانية، إذ تؤكد الشرطة الكتالونية أن الموقوفين يقيمون في الإقليم نفسه. ما عبر الحدود إذن لم يكن تنظيما بقيادة مركزية، بل قالبا رقميا ينسخ نفسه بلغة كل مدينة يحل فيها، وهذا مكمن الخطر لأن القالب لا يمكن اعتقاله.
جيل لا يتعامل مع النقابة
أشارت تقارير اطلعت عليها «القدس العربي» إلى أن ما شهدته الشوارع الأوروبية لم يولد من فراغ، فمنذ عام 2024 يتكرر المشهد ذاته في قارات متباعدة، حيث يتخمر الغضب على الشاشات في غضون أيام، قبل أن ينفجر في الشارع بلا حزب يؤطره أو زعيم يفاوض باسمه.
ولو عدنا قليلا للوراء نجد أنه في كينيا خلال صيف 2024، تحول وسم يرفض قانون المالية على منصات تيك توك وإنستغرام و«إكس» إلى حراك جارف حاصر مبنى البرلمان واقتحمه. عمد الشبان حينها إلى تفكيك بنود القانون المعقدة عبر مقاطع مصورة قصيرة، وبثوا المواجهات على الهواء مباشرة. ورغم سقوط ما لا يقل عن 23 قتيلا برصاص الشرطة في يوم اقتحام البرلمان وحده، اضطر الرئيس ويليام روتو إلى التراجع ورفض التوقيع على القانون.
وفي نيبال خلال أيلول/سبتمبر 2025، اندلعت الاحتجاجات عقب قرار حكومي بحظر منصات التواصل الاجتماعي، وأسفرت المواجهات عن مقتل 76 شخصا. غير أن الحدث غير المسبوق جرى خلف الشاشات، إذ بادر خادم رقمي على منصة ديسكورد يحمل اسم «شباب ضد الفساد» ويضم أكثر من 130 ألف عضو، إلى تنظيم اقتراع إلكتروني شارك فيه أكثر من 7700 مصوت. أسفر التصويت عن اختيار القاضية السابقة سوشيلا كاركي، التي أصبحت بعد يومين فقط أول امرأة ترأس حكومة نيبال. وقد لا يكون اقتراع ديسكورد هو ما فرض تعيينها دستوريا، لكنه سبق الإعلان الرسمي ورسخ شرعية الشارع الرقمي.
أما النموذج الأقرب إلى منطقتنا فجاء من المغرب. ففي 18 أيلول/سبتمبر 2025، أنشأ أربعة أشخاص خادما على ديسكورد تحت اسم «GenZ 212»، لم يتجاوز عدد أعضائه في البداية ألف مشترك، لكنه تضخم في أقل من شهر ليضم نحو ربع مليون مستخدم. وتذهب الروايات المتداولة إلى أن اختيار ديسكورد تحديدا جاء لكون الأجهزة الأمنية لم تكن تألف بنيته التقنية. رفع الشبان حينها شعار «الملاعب موجودة، فأين المستشفيات؟»، وأسفرت تلك الموجة عن سقوط ثلاثة قتلى في منطقة القليعة وملاحقة أكثر من 2480 شخصا أمام القضاء، فيما كانت وزارة الداخلية قد أعلنت في ذروة الأحداث توقيف 409 أشخاص، غالبيتهم من القاصرين. وجاء الرد الحكومي السياسي عبر ميزانية 2026 التي رفعت مخصصات الصحة والتعليم بنحو 16 في المئة.
يظل الفارق بين تلك الحركات وما جرى في برشلونة جوهريا في المضمون. ففي نيروبي وكاتماندو والرباط حضرت مطالب معيشية وسياسية واضحة تتعلق بالضرائب والفساد والمستشفيات، بينما غاب المطلب تماما في برشلونة. لكن البنية التقنية التي حملت الحالتين واحدة، وتتلخص في خادم دردشة ومقطع قصير وبث مباشر، تحكمها قاعدة من ثلاث ركائز هي غياب القائد والمركز والعنوان. ولذلك فإن من يقرأ هذه الظواهر كلها بوصفها مؤامرة خارجية، أو يختزلها جميعا في خانة الفوضى العدمية، يخطئ التقدير في المرتين.
منصات للتعبئة
تكشف تحقيقات الصحافة الإسبانية عن هندسة تعبئة رقمية مصممة من طبقتين. في الطبقة العليا تبرز واجهة علنية على تيك توك قوامها مقاطع مصورة وملصقات تدعو إلى النزول للشارع، مدمجة برموز استجابة سريعة وروابط خارجية. وفي الطبقة السفلى تقبع غرف مغلقة على تطبيقي واتساب وتيليغرام. وقد ضمت مجموعتا واتساب في برشلونة ومدريد نحو 700 عضو لكل منهما قبيل ساعة الصفر. وفي تلك المساحات المغلقة، جرى تداول تعليمات دقيقة حول ارتداء الملابس الداكنة وتغطية الوجوه، مقرونة بدعوات صريحة إلى تحطيم المتاجر ونهبها، تليها مرحلة المحو الرقمي حيث يختفي الحساب المحرض فور أداء وظيفته.
يحلل الخبراء هذا التصميم المزدوج، ويعتبرون أنه ليس طارئا بالكامل. ففي صيف 2024، وعقب جريمة طعن أودت بحياة ثلاث طفلات في بلدة ساوثبورت البريطانية، أنشئت مجموعة على تيليغرام في غضون ساعات من الحادثة، واستقطبت نحو 14 ألف عضو قبل أن تتدخل المنصة لإغلاقها. تلا ذلك أسبوع دامٍ من الشغب امتد إلى عشرات المدن البريطانية، وأسفر حتى تموز/يوليو 2025 عن توقيف 1840 شخصا وتوجيه اتهامات رسمية إلى 1103 منهم. وفي ميلانو أدى البث المباشر على تيك توك وظيفة الحشد اللحظي نفسها، بينما تحول تطبيق ديسكورد في المغرب ونيبال، وهو الذي صمم أصلا لهواة ألعاب الفيديو، إلى قاعة اجتماعات سياسية مفتوحة على مدار الساعة.
تكتسب هذه البنية فاعليتها من كونها تقيم حيث يقضي الجيل الجديد يومه. ففي استطلاع شباب العرب لعام 2022، أكد 65 في المئة من المستطلعين أنهم يستقون أخبارهم من منصات التواصل، بعدما قفز الاستخدام اليومي لتيك توك بينهم من 21 عام 2020 إلى 50 في المئة، ووصل في واتساب إلى 82 في المئة. وهو مسار بات عالميا بالكامل، إذ يكشف تقرير الأخبار الرقمية الصادر عن معهد رويترز لعام 2026 أن نحو نصف الشباب في أستراليا من الفئة العمرية من 18 إلى 24 عاما باتوا يستقون أخبارهم من تيك توك، بنسبة بلغت 48 في المئة.
تكمن المعضلة الأمنية في أن الطبقة العلنية وحدها هي المرئية للعيان، أما الغرف المغلقة فلا يلجها إلا أعضاؤها، في حين يتكفل تطبيق مثل سناب شات بمحو محتواه تلقائيا. وفي فرنسا، وجه باحثون انتقادات حادة للحكومة لعجزها عن التقاط إشارات الشبكة قبل انفجار 17 تشرين الأول/اكتوبر 2026. وهذا بالضبط ما تكرر في برشلونة بعد أسبوع واحد، حين ظلت الشرارة تعلن عن نفسها في الطبقة العلنية لأيام، بينما كانت الأجهزة المعنية تفتش عما اعتادت قراءته تاريخيا من بيانات حزبية وإخطارات تظاهر وأسماء منظمين.
أرباح من غضب المراهقين
لم يسدل الستار على ما جرى في فرنسا عند حدود الواجهات الزجاجية المحطمة، ففي الأيام الموالية، طفت على سطح الإنترنت بضائع منهوبة معروضة للبيع، حمل بعضها وسم «17 أكتوبر» ذاته. وطالبت الحكومة الفرنسية منصات إعادة البيع الإلكترونية، وفي طليعتها «فينتد» و«لي بون كوان»، بسحب إعلانات السلع المسروقة والتعاون مع جهات التحقيق، ما يشير إلى أن النهب لم يكن مجرد انفلات غرائزي عابر، بل استحال حلقة في سلسلة اقتصادية تبدأ بمقطع تحريضي وتنتهي بإعلان بيع.
ويميز الباحث آلان بور بين فئتين تتشاركان الشارع لحظة الفوضى، أولاهما تضم شبانا محبطين قد ينجرون إلى العنف بالتقليد والعدوى، وثانيتهما تتكون من مجموعات صغيرة منظمة تخرب عن سابق إصرار، وبين أفرادها مطرودون من النظام التعليمي ومرتبطون بشبكات ترويج المخدرات. الفئة الأولى هي الأغلبية الساحقة التي تملأ زنازين الشرطة بعد كل موجة، أما الفئة الثانية فهي التي تعرف مسبقا أي واجهة تجارية تكسر أولا، وإلى أي مستودع تذهب البضاعة المنهوبة.
وتدرك الشبكات الإجرامية الأوروبية جدوى هذا المسار جيدا، إذ تصف وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول»، ظاهرة متنامية تطلق عليها «العنف خدمة»، حيث تدفع شبكات إجرامية أموالا لمراهقين مقابل تنفيذ عمليات تهديد أو اعتداء أو قتل، وتستقطبهم عبر المنصات المفتوحة والتطبيقات المشفرة باستخدام لغة مرمزة وأساليب تحاكي ألعاب الفيديو. وتتمثل الغاية في إبقاء الرؤوس المدبرة بعيدة عن مسرح الجريمة وعن الملاحقة الأمنية. وفي نيسان/أبريل 2025، أطلقت يوروبول فريق عمل مشتركا بقيادة السويد ومشاركة سبع دول أوروبية بينها فرنسا، لملاحقة هذا النمط الإجرامي المستحدث.
تضليل عابر للغات
حددت تقارير تتابع الظاهرة منذ بداياتها، أنه بموازاة كل ليلة شغب في الشوارع، كانت تسبقها تحركات على الشاشات، فقد رصد فريق تقصي الحقائق في وكالة الصحافة الفرنسية انتشار صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر زوجين مسنين جردا من ثيابهما وسرقا في الشارع، وهي صورة حصدت أكثر من ستة ملايين مشاهدة على منصة «إكس»، إلى جانب مشاهد زائفة لباريس وهي تحترق في محيط برج إيفل، ومقاطع قديمة من دول أخرى أعيد تدويرها باعتبارها توثيقا حيا للأحداث.
كما أصدرت مؤسسة «أليانس فور يورب»، تقريرا حلل 547 ألف منشور موزعة على تسع لغات، وخلص التقرير في نتيجته الأولى إلى أن الاحتجاجات ولدت في فرنسا ولأسباب فرنسية خالصة، من دون وجود أي دليل على صياغة أجنبية للحدث. غير أن مسار الرواية الإعلامية سلك اتجاها مغايرا تماما. فالادعاء الكاذب بأن «مهاجرين أحرقوا بلدية ليموج» ظهر باللغة الإنكليزية قبل الفرنسية بست ساعات كاملة، وانتشر في الفضاء الإنكليزي بمعدل 3.6 أضعاف. كما تبين أن منشورا واحدا من كل 33 منشورا بالفرنسية حمل المهاجرين أو الإسلام مسؤولية الشغب، في حين قفزت النسبة في المنشورات الإنكليزية إلى نحو منشور واحد من كل خمسة. وجرى تصدير الأزمة الاجتماعية الفرنسية إلى الخارج في قالب قصة عن خطر الهجرة، ورصد التقرير شبكات حسابات ضخت مئات الرسائل المنسقة ونحو ألف مقال بتسع لغات، عملت كلها على نفخ نار مشتعلة أصلا وإن لم تكن هي من أشعلها.
أما على الأرض، فكانت الإحصائيات الرسمية تروي حكاية مختلفة عن سرديات المنصات، فمن بين 271 شابا اقتيدوا إلى مراكز الشرطة في ميلانو، لم يكن هناك سوى 60 شخصا من غير حاملي الجنسية الإيطالية. وفي برشلونة، أحجمت الشرطة عن نشر أي بيانات تتعلق بجنسيات الموقوفين، لكن السجال السياسي اشتعل فورا لأن الحدث جاء قبل نحو شهر من الانتخابات العامة المبكرة. وهذا النمط من الاستثمار السياسي مألوف أوروبيا، ففي أحداث ساوثبورت عام 2024، نسب الهجوم فورا إلى اسم عربي مختلق انطلق من حساب مجهول على «إكس»، وموقع إخباري زائف، ليتحول التضليل إلى شرارة أشعلت أسبوعا من الشغب العنصري.
ويدخل الجمهور العربي إلى قلب المشهد من هذه البوابة، فقد تابعت وسائل الإعلام المغاربية الأزمة الفرنسية يوما بيوم، حتى إن موقعا إخباريا مغربيا تساءل صراحة عما إذا كانت عدوى الإغلاق ستمتد إلى المدارس التابعة للبعثة الفرنسية في المغرب. وفي المشرق، رصد موقع «لبنان الآن»، تراشقا حادا على منصة «إكس» بين حسابات لبنانية وأخرى جزائرية على خلفية أنباء السرقات والهجرة، تخلله خطاب تحريضي موجه ضد المهاجرين الجزائريين. بينما لفتت صحيفة «المدن» البيروتية إلى مفارقة تاريخية تمثلت في تزامن مسيرة 17 تشرين الأول/اكتوبر بباريس مع ذكرى مجزرة نهر السين التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية بحق المتظاهرين الجزائريين عام 1961. إن الرواية اليوم تعبر ضفتي المتوسط في الاتجاهين، مكتوبة بالدارجة عبر الحرفين العربي واللاتيني، لتصل إلى أحياء مدننا بلغتها اليومية.
المنطقة العربية
والمنطق القديم
بدأت الظاهرة تطرح تساؤلات ملحة في منطقتنا، خصوصا مع وجود قرائن تشير لاحتمالات انتشارها في العديد من المدن من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. ففي تقريرها الصادر في آب/أغسطس 2026، تشير منظمة العمل الدولية إلى أن بطالة الشباب في الدول العربية بلغت خلال 2025 نحو 26.2 في المئة، وهي النسبة الأعلى عالميا، فيما سجلت 22.6 في المئة في دول شمال أفريقيا، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 12.4 في المئة. وإذا أضيف إلى هذا الواقع الاقتصادي جيل يعيش يومياته على تيك توك وواتساب، وسابقة مغربية قريبة أثبتت قدرة خادم على ديسكورد على جمع ربع مليون شاب في غضون أسابيع، فإن الصورة تزداد وضوحا. كما أن شعار «الملاعب موجودة، فأين المستشفيات؟» يذكر بأن التظاهرات الرياضية الكبرى، وفي طليعتها مونديال 2030، قد تتحول في لحظة احتقان إلى رمز للغضب ومسرح للتعبير عنه في آن واحد. ويرى بعض الخبراء أن الحكومات لم تغادر منطقة أمانها السابقة في مواجهة هذه التحولات، وما تزال تستدعي ثلاثة ردود من قاموسها الأمني القديم. يتمثل الرد الأول في قطع الشبكة، حيث أحصت منظمة «أكسس ناو» خلال عام 2025 ما لا يقل عن 313 عملية قطع للإنترنت في 52 دولة، بينها عدة دول عربية، مسجلة رقما قياسيا جديدا، رغم أن تجربة نيبال أثبتت أن حظر المنصات قد يكون هو الشرارة التي تفجر الشارع. أما الرد الثاني فيقوم على تجريم «الشائعة»، إذ وثقت منظمة العفو الدولية في عام 2026 اعتقال أكثر من ألف شخص في دول الخليج على خلفية منشورات تتصل بالحرب، غير أن التجريم القانوني لا يلغي النقاش العام بل يدفعه قسرا إلى الغرف المغلقة حيث لا يراه أحد إلا لحظة انفجاره. ويتجلى الرد الثالث في ملاحقة المتظاهرين وذويهم بعد وقوع الحدث، على غرار طلب وزير العدل الفرنسي من النيابات العامة التشدد في تحميل الآباء المسؤولية المدنية، وتوجه السويد نحو خفض سن المسؤولية الجنائية.
والقاسم المشترك بين هذه الردود الثلاثة أنها تفتش عن تنظيم هيكلي وقائد ميداني ومسيرة مخطر بها مسبقا، في حين أن الموجة الجديدة تتحرك بلا تنظيم ولا قائد ولا مسيرة. ففي المغرب اختار الشبان منصة رقمية لم تكن الشرطة تألفها جيدا، وفي برشلونة انتظرت الأجهزة الأمنية بيانا سياسيا أو نقابيا، لم يأتِ قط، بينما كانت دعوات الحشد تنتشر علنا أمام الجميع. وفي المقابل، يبرز خطر موازٍ لا يقل جسامة، ويتمثل في قراءة كل حراك شبابي بعين أمنية محضة، ما يؤدي إلى خنق غضب اجتماعي مشروع حول جودة المدارس والمستشفيات وعدالة الضرائب، وهو غضب حقيقي في الشارع لم يخترعه تيك توك.
مؤشرات الأزمات القادمة
وضع تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، ظاهرتي التضليل الرقمي والاستقطاب المجتمعي في المرتبتين الثانية والثالثة ضمن المخاطر المهددة للاستقرار خلال العامين المقبلين. غير أن الاستشراف الاستراتيجي لا يعني التنجيم بموعد الشغب القادم، بل يقتضي قراءة إشارات مبكرة ظهرت علنا في كل محطة من المحطات الأوروبية الأخيرة قبل أن تشتعل.
قالب ينسخ، حيث يظهر اسم أو شعار واحد في مدينة جديدة وبلغتها المحلية في غضون أيام قليلة، ومعها لغة تحريض، مثل وسم انتشر في برشلونة، يصم الشباب بالجبن لأنهم لم يتحركوا. وحسابات تولد دفعة واحدة، عبر ظهور عشرات الحسابات الجديدة بالاسم ذاته مقرونا بأسماء مدن مختلفة، مع ضخ محتوى بإيقاع غير طبيعي. مع انتقال من العلن إلى الغرف، من خلال نشر روابط ورموز استجابة تقود المتابعين إلى مجموعات مغلقة لتحديد الموعد والمكان.
كما يخشى المسؤولون من استغلال شبكات الإجرام لهذه الظواهر مع وجود السوق الموازية، بظهور بضائع منهوبة معروضة للبيع الإلكتروني تحت وسم الحدث الاحتجاجي نفسه.
وفي الأفق المنظور تلوح محطات كبرى تجمع الغضب الاجتماعي والانتباه الإعلامي في بؤرة واحدة، بدءا من انتخابات إسبانيا المبكرة في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مرورا بالانتخابات الرئاسية الفرنسية في نيسان/أبريل 2027، وصولا إلى مونديال 2030 على ضفتي المتوسط. ويخشى المسؤولون من أن الشرارة التالية لن تستأذن أحدا، بل ستولد على شاشة هاتف، بلغة مدينة ما، وستبقى مرئية لأيام قبل أن تشتعل في الشارع.
- القدس العربي






















