على الرغم من وجود أسباب كثيرة، محقّة ومشروعة، تدعو الفلسطينيين لانتفاضة ثالثة، لدحر الاحتلال من أرضهم، إلا أن دعوات الفصائل لإطلاق انتفاضة كهذه، لم تجد الصدى المناسب لها، بدليل ضعف التجاوب الشعبي، الذي اقتصر على جماعات محدودة، في أماكن وأوقات محدودة.
واضح أن القيادات التي تصدرت دعوة كهذه لم تتفحّص جهوزية المجتمع الفلسطيني لهذا الأمر، وتعاملت معه بطريقة فوقية، وأوامرية، في حين إنها لم تعدّ نفسها لإطلاق الانتفاضة، إن عبر توفير الطاقة المحركة لها، أو عبر تأهيلها لذاتها؛ وهي في غالبيتها أصدرت بيانها "الانتفاضي"، وانزوت جانبا تراقب ما يجري!
لم يكن ثمة صعوبة في التكهن بمصير دعوة كهذه في ظل الظروف الراهنة، بالنظر إلى أن الفلسطينيين كانوا استنزفوا طاقتهم، الكفاحية والمعنوية، وإمكاناتهم البشرية والمادية، خلال السنوات العشر الماضية، في انتفاضة "ثانية"، طغى عليها طابع المقاومة المسلحة، في ظروف عربية ودولية غير مواتية، وفي وضع لم يستطع فيه الفلسطينيون تنظيم كفاحهم، وترشيد استهلاكهم طاقتهم، ما جعلهم يزجون بقواهم دفعة واحدة، في مواجهات مسلحة غير مدروسة وغير محسوبة النتائج؛ في كفاح يفترض انه مديد ومرير ومعقد. ما أقصده هنا أن الانتفاضة، أو المقاومة المسلحة، ليست مجرد فعل ميكانيكي، أو سلبي (بمعنى الشيء في ذاته)، وإنما هي ظاهرة مجتمعية ايجابية، تأخذ هذا الشكل أو ذاك، بحسب المرحلة والإمكانات والمعطيات، وأيضا بحسب الاستراتيجيات والاستثمارات السياسية المتوخّاة. وعليه فمن المستحيل وجود انتفاضة أو مقاومة مسلحة إلى الأبد، أو لمجرد الانتفاضة والمقاومة؛ وحتى تجربة المقاومة الفيتنامية (مع كل الفارق) شهدت مراحل تراجع وتقدم، وهجوم ودفاع وسكون، وهكذا دواليك.
معلوم أن الفلسطينيين تكبدوا في الانتفاضة الأولى (1987-1993) خسائر بشرية شملت حوالى 1600 شهيد، وحوالى ربع مليون جريح ومعتقل، فضلا عن الخسائر في الاقتصاد والإفقار في الصحة والتعليم والمرافق. وفي الانتفاضة الثانية (التي اندلعت في أيلول 2000)، خسر الفلسطينيون حوالى 7500 شهيد، وحوالى مئة ألف من الجرحى والمعوقين والمعتقلين (ضمنهم حوالى تسعة آلاف معتقل حتى الآن)، فضلا عن الإفقار في المجالات الأخرى، دون أن يحققوا شيئا يذكر.
ويستنتج من ذلك أن إسرائيل نجحت في استنزاف المجتمع الفلسطيني، وتبديد طاقته، وإفقاره في الموارد البشرية وفي مستوى المعيشة والتعليم والصحة والمرافق، بعدما نجحت في استدراجه إلى مربع المواجهات المسلحة، بالشكل الذي تمت به، وبالطريقة الفوضوية والتنافسية التي أديرت بها، من دون أن تتحكم القيادات المعنية بالانتفاضة وبوتائرها، ومن دون توفير إدارة موحدة وملائمة لها.
وعودة إلى التجربة التاريخية، ممثلة بثورة 1936 – 1939، مثلا، يمكن ببساطة ملاحظة أن الفلسطينيين زجّوا، في تلك الفترة، بكل طاقتهم في مواجهة قوات سلطة الانتداب البريطاني، في ظروف دولية غير مناسبة (الحرب الثانية)، وفي ظروف انقسام داخلي (الحسينية والنشاشيبية). والنتيجة أن هذه المواجهات، التي اتسمت بالعفوية والمزاجية، أدت إلى حرمان الفلسطينيين من قياداتهم، التي قتلت أو سجنت أو نفيت، كما أدت إلى حرمانهم من طاقة الشباب، حيث قدرت خسائر الفلسطينيين وقتها بحوالى سبعة آلاف شهيد وعشرين ألف جريح وخمسين ألف معتقل، أي بمجموع قدره 77 ألفا من سكان لا يتجاوز عددهم المليون الواحد. وأدت هذه المواجهات إلى شلل الحياة الاقتصادية للفلسطينيين وتدهور أحوالهم المعيشية، ونزع الأسلحة منهم (6371 بندقية و3220 مسدسا و1812 قنبلة و 425 بندقية صيد). وعندما أزفت لحظة الامتحان (قيام الكيان الصهيوني – 1948- وجد الفلسطينيون أنفسهم، وقد استنزفت قواهم، وأفقرت أوضاعهم، وتشتت أحوالهم، ولم يكن ثمة قيادة لهم، ولا إطارات وطنية تجمعهم، ولا سلاح بأيديهم. هكذا جرى في الأدبيات السياسية تعظيم هذه التجربة، دون التمعن في آثارها الخطيرة، وبالتداعيات الكارثية التي نجمت عنها؛ وضمنها أن الفلسطينيين ما كان لهم حول ولا قوة في مواجهة النكبة وقيام إسرائيل. على ذلك فإن المشكلة لا تتعلق بالمقاومة المسلحة كشكل كفاحي مشروع، لا في تجربة 1936 ولا في تجربة المقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية، وإنما تتعلق بكيفية المقاومة، أو بكيفية قيادة الشعب في مقاومة الاحتلال، حيث أن القيادة هي نهج إدارة موارد، لاهدر موارد، ونهج تنظيم مجتمع لا تفتيته، ونهج تنمية لا نهج إفقار، لاسيما في ظروف شعب يكافح ضد الاستعمار، فكيف إذا كان من نسخة استعمار استيطاني عنصري، على شاكلة الاستعمار الصهيوني لفلسطين؟
ومعنى ذلك أن المقاومة في ظروف كهذه يفترض أنها مقاومة مجتمعية، لامقاومة فصائل أو جماعات مسلحة، ومقاومة كهذه، أيضا، تفترض الأخذ في الاعتبار الطابع المديد والمعقد للصراع ضد المستعمر المتفوق بالقوى العسكرية، ما يعني ضرورة الاقتصاد بطاقة الشعب، والتنبه لأي محاولة لاستدراجه لمواجهات غير مناسبة، وعدم زجه دفعة واحدة في معركة واحدة، محدودة في المكان والزمان.
هكذا، فإن دعوات الفصائل لم تأخذ في الاعتبار كل هذه الأمور، وهي لم تأخذ في الاعتبار حالة الفلسطينيين الذين يعانون من الإرهاق والتعب والاستنزاف، الذي أحاق بهم في السنوات الماضية.
فضلا، عما تقدم فإن الدعوة للانتفاضة لم تلقِ بالا لحال الإحباط عند الفلسطينيين، الذي لايقتصر على انسداد أفق دحر الاحتلال، نتيجة الأوضاع الدولية والعربية غير المواتية، فقط، وإنما هو بالخصوص إحباط ناجم، أيضا، عن الحال المريعة التي وصلت إليها الساحة الفلسطينية، وأحوال حركتها الوطنية، بعد الاختلاف والاقتتال والانقسام الذي وقع فيها، وهي أمور ليست مجرد تفاصيل عابرة في المشهد الفلسطيني الراهن.
وممّا تقدم يمكن القول ان الفلسطينيين لم يخسروا فقط إزاء إسرائيل وإنما خسروا أيضا إزاء أنفسهم، بواقع التكلس في أحوال حركتهم الوطنية، وغياب المؤسسات والإطارات الجامعة لهم، وبواقع الانقسام المحيق بهم، وتحولهم من حركة تحرر إلى مجرد سلطة (في الضفة وغزة)، وأيضا بحكم ضعف صلة قيادتهم بالواقع المحيط بهم، وهذا ما تؤكده الدعوات لانتفاضة ثالثة، وأيضا الدعوات لاستمرار المفاوضات، لأنه لا بديل من إحقاق الحقوق إلا بالمفاوضات!
لكن عدم الاستجابة لانتفاضة ثالثة لا يعني أن الفلسطينيين استكانوا للاحتلال، فهذا كلام ليس له علاقة بالواقع الجاري، فالمجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 (كما في مناطق 48) يعبر عن مقاومته للاحتلال، بصبره، وعناده، وتشبثه بأرضه، ومناهضته إجراءات التهويد والاقتلاع والهيمنة الإسرائيلية، بطريقته الخاصة، وبإمكاناته المتوافرة، بعيدا عن البيانات والتعليمات الفصائلية، وهذا الشعب الذي توج نضاله بالانتفاضة الأولى (1987 – 1993) هو الذي سيحدد الظرف أو التوقيت الذي سيطلق فيه انتفاضته التالية.
يبقى القول ان جميع الفصائل مطالبة بإحداث الانتفاضة خاصتها، أي نفض التكلس في أحوالها، وتجديد شبابها، وإضفاء الحيوية والديموقراطية والتداول في صفوفها، واستعادة أهليتها النضالية، وتعزيز المشاركة الشعبية في صوغ القرارات المصيرية، واستعادة الوحدة الوطنية.
وفقط عندما يحدث كل ذلك يمكن الشعب أن يفهم أن ثمة جدوى من تضحياته، كما يمكن الانتفاضة المقبلة أن تكون أفضل حالا من سابقاتها.
(كاتب فلسطيني)
"النهار"




















