من وحي وفاة بطريرك موسكو وكل الروسيا، الذي اثبت، في قيادته للكنيسة، كيف ان الايمان هو الذي ينقذ المؤمنين حتى من امبراطورية بالغة الإلحاد عقائدياً، مبالغة في التكفير والارهاب… انطلاقاً من هذا الوحي نريد أن نحاول تبيّن كيف يمكن أن نوظّف لبنانياً ما أطلقته سوريا من مظاهر إيمانية احتفاء بالعماد عون وتعزيزاً لدور "مسيحي" تنسبه إليه ودفع العماد في سبيله ما كان يمكن ألا يدفع، ومن التلفزيون السوري، كأن ينسب ما نسب من "تخلّف" و"تحجّر" الى مواطنيه اللبنانيين أو بعضهم – ولعله بهم الأعرف – فلم يوضح ما إذا كان هؤلاء هم إياهم الذين كان يتوقّع منهم الاعتذار منه "قبل" الاعتذار من سوريا… ولم يفصح عما كان يتوقّع منهم بعد ذلك، وكيف؟ ولماذا؟…
… من وحي التجربة البطريركية المسكوبية، نعتبر ان كل تأكيد للإيمان وكل عودة إلى جذوره الروحية، ولو بالمظاهر، يعيدان المسيحيين إلى الحال التي تساعدهم على التخلّص من دور "أفيونية الشعوب"، أي من الحال التي تنسبها إليهم العقائد المكفّرة (وأقصاها كانت الشيوعية البلشفية السوفياتية، فكيف بالأقل منها عقائدية، المقلّدة لها تصنّعاً واستصناعاً؟).
•••
نعم، في استعادة الايمان وإطلاق مظاهره ما يحرّر المجموعات بل المجتمعات الدينية من العصبية بل التعصّب "الطائفي" الذي يفسدها ويبعدها عن الروحانية ليغرقها في العنف وصولاً الى الارهاب، إرهاب السلطة كمحاولة إرباك وإرهاب سائر الطامحين إليها الطامعين بما منها ولها…
وعندنا أنه آن أوان تأكيد نهاية التمييز بين التلبّس بالمسيحية (كما بسواها من الأديان) وممارسة ما هو الدين منه برّاء، كالتحارب الحرام على الذي يقضي على القيم والأخلاق والمناقب المشتركة في الجسم الاجتماعي الواحدِ الطبيعة، بدل اثراء هذه الوحدة بتعميم الانتساب الى القيم واستلهامها في بناء الكيان الانساني على افضل ما يمكن ان يكون موئلاً وطنياً لمثل الحق والخير والجمال.
•••
وبعد، لا نظننا ختاماً في حاجة إلى أن نطمئن المسيحيين إلى أن حصانتهم لن تكون اذذاك رهينة عباءة تُلقى على كتفي سلطان، عماداً كان أو معتمداً، يشعرهم، طلباً لاطمئنانهم، بأنهم بمثابة "أهل ذمة" في عهدته في حين هو الوطن المتوحّدون فيه، المتجذرة وحدته بالقيم والمثل العليا، الدينية كالوطنية، غير الهاجرين له ولا المهجرين منه، هو حصانتهم وحصنهم والحماية!
وغني عن القول إن هذه الحصانة في الوحدة الوطنية هي الكفيلة بمنع العودة الى الحروب الدينية المصطنعة أياً يكن مصطنعوها والذين يقودونها ويخوضون غمارها…
ولا نشك لحظة في أن الروحانية الدينية متى التصقت بالوحدة الوطنية، وحدها قادرة على منعنا من الوقوع في "خطيئة" الحرب "الأهلية!"، ووحدها تبطل الذرائع الخارجية (كالحماية وما إليها!) لافتعال مثل هذه الحروب أو توسّلها. وربما وجد متوسّلو هذه الحروب في "الإيمان الديني" في بلادهم ما يردعهم عن خوضها أو التحريض عليها.
كما لا نشك لحظة في أن احداً ليس في حاجة إلى أن يحذّره أحد آخر من أن أية مجموعة مسيحية أو سواها تشعر بأن ثمة من يقدر أن يطمئن إلى أنها لن تنقضّ على من يحاول توظيف اطمئنانها، ولو بسببه – ولا نقول بفضله – لغير مصلحتها وأمنها الوطني والوئام. فحذار!
"النهار"




















