علي بن طلال الجهني
الحياة – 09/12/08//
انتهى زمن وصف شخص بـ «العلاّمة» لأنه ألمّ بمبادئ كل ما وصلت إليه البشرية من معارف. كما انتهى عصر وصف شخص بـ «المثقّف» لأنه عرف القليل عن كل شيء.
إن ما تعرفه البشرية اليوم يتجاوز مئات أضعاف ما كانت على علم به قبل أوائل القرن الماضي فقط. وبسبب هذا التضخم الهائل في العلوم الطبيعية وما يمكن تطبيقه من أدواتها في علوم النفس والآثار وإلى حد أقل في علم الاقتصاد، أضحت المعرفة التي يكونها الإنسان، بوسائل عشوائية، من الأشياء التي لا قيمة كبيرة لها. لا بد أن ترشد مسارها معرفة «منهجية» تم بناؤها خلال سنوات من التفرّغ في حرم أكاديمي معترف به.
إن ما يعرفه طالب السنة الثانية في كلية الهندسة أو قسم الطبيعة أو الرياضيات أكثر بكثير من كل ما كان يعرفه إنسان في قامة إسحاق نيوتن مكتشف قانون الجاذبية وأحد مؤسسي علم «التفاضل والتكامل». ومرجع ذلك أن الطالب المبتدئ في حقل علمي بحت يدرس مبادئ أشياء كثيرة تراكمت منذ أيام إسحاق نيوتن المولود عام 1642 والمتوفى عام 1727، كما تقول دائرة المعارف الذي سَهَّلَ الوصول إليها بيل غيتس ورفاقه في جهاز الكومبيوتر المتناهي الصغر.
ويخطئ من يظن أن مجرد وجود الانترنت يغني عن المعرفة المنهجية. فالانترنت كشكول متناهي الضخامة يحتوي الصحيح والخطأ أو بعضاً من الصواب وبعضاً من الخطأ. وما الهدف من المعرفة «المنهجية» إلا تعليم طريقة التفكير الصحيح للتفريق بين ما يمكن أخذه بدرجة من درجات الشك أو بدرجة من درجات التكذيب، أو بدرجة من درجات الثقة. والتفريق بدوره يتمّ عن طريق المعرفة المنهجية التي تقضي، مما تقضي به من أشياء أخرى ليس هذا مكان تفصيلها، أن يعرف المتلقي كيف يبحث وإلى أين يعود لمعرفة مراجع الموضوع المراد بحثه.
غير أن هذا لا يعني أنه ينبغي أن لا يقود إدارة شركة لتوليد الكهرباء – مثلاً – أو لتمديدها إلا مهندس كهربائي، أو لا يتولى قيادة منشأة كبيرة أو صغيرة في مجالات النقل أو إنشاء الطرق إلا مهندس. المراد قوله هو إنه يحسن أن يلمّ القائد الإداري بتعليم «منهجي» حقيقي حتى يعرف كيف يختار بين اختيارات كثيرة في تنفيذ ما ينبغي تنفيذه.
ومع ذلك فإن «المعرفة المنهجية» حتى لو تم حشدها عن طريق الدراسة والتخرج من جامعة عالمية متميزة، لا يعني بالضرورة أن وجودها يكفي بحد ذاته لإيجاد قائد إداري ناجح.
ولا جدال أن المعرفة «المنهجية» وفي أي مجال «تساعد» القائد الإداري على اتخاذ القرار الصحيح. ولكن موضوع القدرة على اتخاذ وتنفيذ القرارات الصحيحة هو أكثر تعقيداً من مجرد المعرفة المنهجية كما أوضح ذلك بإسهاب وبأسلوب أخّاذ صاحب كتاب «الحياة في الإدارة».
وهذا ليس كتاباً أكاديمياً، وإن تمت كتابته بطريقة منهجية صحيحة من وجهة النظر الأكاديمية، وإنما تصوير دقيق لتجربة غازي القصيبي بعد أن قاد بنجاح ليس وزارة الصناعة والكهرباء ووزارة الصحة فقط، وإنما بعد أن أنشأ «سابك» فخر الصناعة السعودية، وبعد أن حل مشكلة الكهرباء المزمنة بعدما أحاط بإنشاء كل من «سابك» و توحيد شركات الكهرباء من مصاعب كثيرة ومعقدة يعرفها جيدا معاصروها. وقد كانت صعوبات أقرب ما تكون إلى «معارك» استخدمت فيها الأسلحة المشروعة كالمعارضة العلنية والأسلحة غير المشروعة كالدسّ والتلفيق والافتراء.
وواضح أنه لا يستطيع خوض هذه المعارك، دع عنك كسبها لصالح غالب المواطنين، مجرد» متعلم» تعليماً منهجياً. نعم المقدرة وحدها لا تكفي. وكذلك الجرأة على مجابهة أصحاب المصالح من دون مقدرة تضر أكثر مما تنفع. ولابد من توفير الجرأة على الإصلاح والمقدرة معاً.
أما ما قد «يبدو» أنه تناقض في المعلومات العلمية الطبية وما هو في حكمها فسببه تطور وسائل الإعلام إلى الحد الذي وصلت إليه عن طريق الوسائل المعروفة المألوفة من مقروء ومسموع والى ما زاوج بين أنواعها كافة في الانترنت وخلق صورة إما خاطئة تماماً وإما غير دقيقة في أحسن الأحوال عن أشياء كثيرة ليست علمية فحسب وإنما أيضاً سياسية ومالية وغيرها الكثير. وقد وصلت المنافسة المحمومة بين وسائل الإعلام إلى حد أن صار الحرص على السبق هو الهدف الأسمى في نشر كل ما تهتم به أية فئة من الناس قبل التوثيق. ومن طبيعة الأمور أن إتمام التوثيق يقلل من فرص السبق.
والله من وراء القصد.
* أكاديمي سعودي



















