يقول المفكر الفرنسي دو توكفيل في اطروحته عن الديموقراطية في الولايات المتحدة بأن هذه الديموقراطية قد تركت الباب مفتوحاً للسلطة التنفيذية كي تنمو بسرعة وإقدام في تأدية المسؤوليات الملقاة على عاتقها على كل صعيد، وخاصة في مضمار العلاقات الدولية. والذي تعمق كثيراً في تاريخ الديبلوماسية الاميركية يجد بأن سياستها الخارجية كانت ولم تزل مرتكزة على مضامين النصوص الدستورية التي تركها الآباء المؤسسون لهذه الامة الفتية يوم تأسيس الاتحاد الفيديرالي سنة 1787 في فيلادلفيا، ولم يطرأ اي تعديل عليها حتى الآن. بل على العكس فقد اضيفت الى صلاحياتها كأمر واقع امور كثيرة دون اي اعتراض دستوري. وعملت هذه المؤسسة على تحدي الظروف والمصاعب وخطّت مسارها التاريخي بارادة وعزم وأظهرت بالممارسة مهارتها وقدرتها على تحمل المسؤوليات الجسام التي كانت تواجهها وخاصة ابان الحرب العالمية الثانية بعد ان اخذت الولايات المتحدة تتطلع الى ما وراء الحدود كدولة صاعدة ذات دور مطلوب ومرغوب.
بعد هدوء العاصفة وجدت واشنطن نفسها في وسط المعترك السياسي وكان لا بد لها ان تمشي بخطى ثابتة ووئيدة نحو المركز الاول في معسكر العالم الرأسمالي الحر في وجه الشيوعية الدولية. وان تبلور عقائد الديموقراطية في وجه الماركسية، واعتقدت بأن اي حرب عالمية تحتاج الى ايديولوجية عالمية لأن الحرب في تلك الفترة كانت تدور في عقول الناس لاختيار الايديولوجية التي تقنعهم. وفي هذه الحال قامت وزارة الخارجية بالتخطيط لمحاصرة الشيوعية وانشأت خطة مارشال لمساعدة الدول المهددة بالافكار الشيوعية والنقطة الرابعة وحلف شمال الاطلسي، ناهيك عن بقية الاستراتيجيات والاحلاف. وبعد ثبات نظريات وعقائد العالم الحر وانهيار الاتحاد السوفياتي اصبحت اميركا احادية القطب في النظام الدولي تمارس سياسة خارجية تنسجم مع دورها ومصالحها.
وعلى ما يبدو ضمن سياق المنطق الوضعي فان اولئك المؤسسين كانت لديهم النبوءة والرؤيا السعيدة في استكشاف واستنباط ما سيكون لهذه الامة الفتية من دور ومقام في لعبة الامم وكيف انها تستطيع ان تختصر الزمن في بناء الذات القومية وتفرض نفسها على واقع العالم ومستقبله.
ان اعطاء صلاحيات واسعة للرئيس في السياسة الخارجية لها دلالتها، وقد قال يوما بعض المتخصصين في القانون الدستوري بأنها تشبه صلاحيات "ملك" في تلك الحقبة التاريخية. ذلك لأن واضعي الدستور شاؤوا منذ البداية ان تكون لهم حكومة واحدة تتكلم باسم الامة وتخاطب بقية الامم والاوطان بلغة واحدة وصوت واحد. وكان اول من ادرك ما تضمنه الدستور في هذا الصدد الرئيس جورج واشنطن عندما تمنى بالحاح شديد على توماس جيفرسون الرجل القوي الذي اصبح في ما بعد الرئيس الثالث للبلاد ان يكون وزيرا لخارجيته. ذلك لعلمه بما ستكون لهذه الوزارة من اهمية ودور لتحقيق الاهداف والمصالح الوطنية لهذه الامة.
كان جيفرسون اول وزير خارجية يستعمل الاقتصاد ومبادىء المقاطعة كوسيلة لتحقيق الاهداف السياسية. وكان يخطط لتوحيد الاميركيين ولم يخضع لعواطفه وميوله. وعندما تقضي المصلحة العامة كان لا يرى الا مصلحة اميركا. وعندما اصبح رئيساً للجمهورية جاء بجيمس ماديسون الذي اصبح فيما بعد رئيسا للبلاد وزيران للخارجية. وهذا اكبر دليل على ما لهذه الوزارة من دور يزداد يوما بعد يوم. لأنه بقدر ما يكبر دور الامة يكبر معها الدور الديبلوماسي ويكبر عندها حجم الملفات الامنية والاستراتيجية.
وما دام هذا الدور المهم منوطا بوزير الخارجية فلم يترك اولئك الذين صاغوا الدستور هذا الامر للرئيس كي يختار الوزير الذي يشاء وكيفما شاء بناء على صداقته وعواطفه الشخصية. لذلك ربطوا هذا الامر بموافقة مجلس الشيوخ كي يتبصر الرئيس ويفكر مليا بالشخص المناسب للمكان المناسب فيكون صاحب كفاءة وتاريخ ناصع قبل ترشحه لأن المجلس سوف يكون له بالمرصاد ولا يعطي موافقته الا بعد ان يتبين له بأن تسمية الرئيس هي في غير محلها. ذلك ان الرجل الذي سوف يتبوأ المركز يجب ان يتحلى بالمواصفات المطلوبة في اعطاء المشورة الصائبة للرئيس كي لا يتخذ القرار الخطأ باسم الامة. وبسبب الاهمية التي أعطيت لهذه الوزارة ظن بعض وزراء الخارجية بأن المركز هو بمثابة رئيس حكومة كما هو متعارف عليه في بعض الانظمة خارج الولايات المتحدة. وقد قال وليم سيوارد لاصدقائه وأقاربه بأن الرئيس ابرهام لنكولن قد أطلق عليه هذا اللقب وأراده أن يكون كذلك "وكان سيوارد المنافس الرئيس للرئيس لنكولن في الانتخابات التمهيدية". وبناء عليه راح الرجل يبرهن بأنه على قدر المقام وبأن التسمية في محلها وأخذ يتصرف على انه الأهم بعد الرئيس.
عندما توفي جون فوستر دالاس وزير الخارجية في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور وقف العالم بأسره يترقب بشغف في انتظار من سيكون خليفة الرجل ومن يستطيع أن يملأ الفراغ ويقوم بالدور الذي كان يقوم به دالاس. ذلك ان الرجل كان شخصية كاريزمية فذة وديبلوماسياً بارعاً وكان من أهم المساهمين في وضع صيغة ميثاق "هيئة الأمم المتحدة" وشرعة حقوق الانسان"، وقد ساعده على تلميع صورته في عالم السياسة الخارجية عاملان اساسيان: الاول هو دعم الرئيس له والثاني أن شقيقه الن دالاس كان رئيساً لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وكان يزوده بالمعلومات اللازمة ويضعه بالصورة الحقيقية لما يجري في عالم المعلومات.
كانت الفترة التي قضاها دالاس في وزارة الخارجية من أصعب الظروف وكان الرجل فعلاً يؤمن بأن أي اعتداء على الحضارة الغربية هو اعتداء على الاخلاق والقيم التي تغلف هذه الحضارة، لذلك كان ما يقوم به هو اقتناع التزم به منذ نشأته وتربيته. وليس من أمد بعيد لعب الدكتور هنري كيسينجر دوراً لا يقل أهمية وبراعة عن الدور الذي قام به دالاس في عهد الرئيس نيكسون مع العلم ان الرئيس نيكسون كان ضليعاً في الشؤون الدولية عكس الرئيس ايزنهاور ولكنه ترك العنان لوزير خارجيته بسبب تورطه في قضية ووترغيت الشهيرة. وأكمل كيسينجر الدور بالقوة نفسها في عهد الرئيس فورد وأنجز ملفات عدة وأهمها انهاء حرب فيتنام والانفتاح على الصين الشعبية وقد ترك بصماته على سجلات الديبلوماسية الاميركية في العالم.
أياً يكن الامر فقد كان هناك وزراء خارجية أقوياء في تاريخ اميركا، ولكن حقيقة الامر هي ما ينص عليه الكتاب أي الدستور كما سماه الرئيس ايزنهاور (لأنه كان يقول دائماً أريد أن أطبق ما هو في الكتاب) وان وزير الخارجية ليس الاّ مساعداً في الشؤون الخارجية للرئيس الذي يتحمل المسؤولية أمام الشعب. وهو دون أدنى شك الذي يقرر الى أي درجة هو ضليع في الشؤون الدولية ومدى الخبرة التي بحوزته، أو الى أي درجة يفوّض الامر الى وزير خارجيته ويعتمد عليه وبالنتيجة فإن الامر يعود اليه كرئيس للسلطة التنفيذية حسبما ينص الدستور.
في خضم الثلاثينات كان الصراع يدور حول منشوريا ولم يكن الرئيس ادغار هوفر صاحب خبرة كافية في هذا الشأن فيترك الامر لوزير خارجيته هنري ستيمسن واعتمد عليه اعتماداً كلياً لأنه كان صاحب خبرة، وديبلوماسياً محترفاً. ولكن في تلك الفترة لم تعطِ اميركا الاولية للسياسة الخارجية انما كان هم هوفر هو ترتيب البيت الداخلي ومعالجة الوضع الاقتصادي وانقاذه. كان يشبه الى حد ما الوضع الاقتصادي التي تعاني منه اميركا اليوم. ولكن مع هذا كله بقي ستيمسن يلعب دوراً مهماً وخاصة حول مبدأ عدم ضم أراضي الغير بالقوة ووقف موقفاً حازماً في عصبة الأمم ضد الذين يعتدون على منشوريا ولم تكن الجغرافيا تبعده عن المحافل الدولية.
أما من الجانب الآخر وهيمنة الرئيس على العلاقات الخارجية فهي كثيرة. فقد تخطى الرئيس فرانكلين د. روزفلت وزارة الخارجية لأنه وضع على رأسها السناتور كوردل هال. وهو يدرك تماماً بأن كوردل ليس ضليعاً في الشأن الخارجي ولم يتعاطِ به لا من قريب ولا من بعيد. ولكنه كان شخصاً يحظى بالاحترام من واشنطن – وقد خدم هال حوالى اثني عشر عاماً في هذا المركز وهذه اطول مدة لوزير خارجيته في تاريخ الحياة الديبلوماسية الاميركية. وقد جاء تعيينه لاسباب داخلية بحتة تصب في مصلحة الرئيس الانتخابية والحزبية. وكان فرانكلين روفلت يستعين ببعض الخبراء امثال ادوارد ستيتينيوس الذي اصبح لاحقاً وزير خارجيته، وبعض السفراء والاصدقاء. وكان كل ذلك يحصل على حساب المؤسسة المعنية وعلى السناتور هال الذي كان يحظى بسمعة عالمية عالية وقد منح جائزة نوبل للسلام عام 1945.
لقد اساء الرئيس هاري ترومان كثيراً الى وزير خارجيته ستيتينيوس الذي كان ديبلوماسياً بارعاً، بشخصية حازمة وقد ترأس وفد بلاده الى مؤتمر سان فرنسيسكو حيث تم الاتفاق على تكوين المؤسسة الدولية (هيئة الامم المتحدة). وفي الوقت الذي كان يدور فيه الجدل والنقاش حول مواد الميثاق وبنوده عمد الرئيس ترومان الى عزله وتعيين صديقه جيمس بايرنز مكانه. وبعد الاتفاق على المنظمة الدولية قبل ستيتينيوس على مضض ان يكون اول مندوب لبلاده فيها.
مهما كان وزير الخارجية قويا يبقى الرئيس هو الاقوى والعنصر الاهم لانه هو المسؤول الاول. وفي بعض الحالات فانه يتصرف بالسياسة الخارجية حسب مصالحه الشخصية والانتخابية والحزبية. فعندما جاء الوزير بايرنز ومعه دين اتشيسون ومعظم المسؤولين في وزارة الخارجية يطلبون من ترومان عدم الاعتراف باسرائيل لان ذلك اذا حصل سوف يلحق اضرارا بالغة بالمصالح الاميركية في الشرق الاوسط ويخلق عداوة كبيرة مع العالم العربي كان الرئيس يقيس الامور بمصالحه الانتخابية في وجه خصمه توماس ديوى حاكم ولاية نيويورك. فقال لهم بناء على طرحكم ما هو عدد اصوات العرب في كاليفورنيا؟ فأجابوه بأن ليس للعرب اصوات في الولايات المتحدة فقال لهم أنا اعرف ما هو عدد اصوات اليهود وهذا ما يهمني، فأدخل منذ ذلك الحين عامل السياسة الخارجية على الانتخابات واصبح السياسيون والاكاديميون يستعملون مقولة ان السياسة الخارجية الاميركية هي امتداد للسياسة الداخلية. وليس من حاجة لذكر الكثير من الامثلة حول استئثار الرئيس بالشؤون الخارجية اذ كان الوزير كولن باول آخر الضحايا في ولاية الرئيس بوش الاولى لأن زمرة المحافظين الجدد جعلوا منه شاهد زور في موضوع العراق. ولكن الرجل كان كبيراً في مواقفه الوطنية، وكان رئيساً لهيئة الاركان في بلاده فالتزم الصمت وخرج من الوزارة بأقل خسارة ممكنة.
يحاول اليوم الرئيس باراك اوباما في اطلالة عهده أن يقلد اثنين من الرؤساء الاميركيين هما ابرهام لنكولن الذي حرر الزنوج من العبودية ووحد الاميركيين والرجل الثاني هو فرانكلين د. روزفلت الذي أخرج البلاد من الكساد الاقتصادي الكبير.
الاثنان يصنفان من الرؤساء الاميركيين الاقوياء وكل منهما في الحقل الذي برز فيه. فاذا كان الرئيس أوباما يريد التشبه بالرئيس لنكولن فهذا أمر غريب لأن هذا ترك زمام وزارة الخارجية لمنافسه الاول في الانتخابات التمهيدية الوزير وليم سيوارد، وترك له الخيار كلياً في الشؤون الخارجية فهل يريد الرئيس أوباما ترك زمام الامور لوزيرته الجديدة هيلاري كلينتون بذات الصلاحيات وذات الدور؟ والصورة تتشابه فقد كان سيوارد المنافس الاول للرئيس لينكولن في الانتخابات التمهيدية للرئاسة كذلك هيلاري فقد كانت المنافسة الاولى للرئيس أوباما في الانتخابات التمهيدية وحصلت على ثمانية عشر ونصف مليون ناخب. هل سيعيد التاريخ نفسه وتصبح هيلاري كلينتون سيوارد القرن الحادي والعشرين؟ وعلى أي اساس؟ او أن الرئيس أوباما اتفق معها على الخطوط العريضة ويريدها أن تكون فعلاً مساعدته في الشأن الخارجي بدل أن تكون عبئاً عليه وهي خارج الادارة، وان تؤازره على تحقيق حلمه الثاني كي يصبح رئيساً في الدورة الثانية وتوحد معه الرأي العام الاميركي وتساعده على أن تكون له اطلالة الرئيس القوي الذي يسيطر على فريق عمله. يجب عدم سبر الغور كثيراً والتكهن بأن الوزيرة الجديدة قد اشترطت على أوباما أن يعطيها حرية الحركة في اداء السياسة الخارجية كما فعل جنينغ براين مع الرئيس ويلسن عندما اشترط عليه اعطاءه الحرية كاملة في ابرام المعاهدات التي تدعو الى السلام والانفتاح بين الأمم. ولكن هذا الطلب لم يزعج الرئيس ويلسن لأنه كان بهذا الرأي وهذا التطلع نحو السلام العالمي. ويفخر وزير خارجية ويلسن براين بأنه عقد حوالى 29 معاهدة في فترة توليه الوزارة وصادق الكونغرس على معظمها.
أوباما الذي يريد أن يتمثل بالرئيس فرانكلين د. روزفلت يقول ان فريق عمله هو فريق عمل واحد متكامل هدفه جمع الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء لتوحيد الصف الاميركي في معالجة الازمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد وايجاد الحلول الناجعة لها، اما السياسة الخارجية فقد جعلها من اختصاصه وليس من اختصاص وزير خارجيته.
اي نموذج من الرؤساء يريد اوباما ان يقلد؟ فاذا كان الرئيس فرانكلين روزفلت هو المثال فقد جاء هذا بالسناتور هال كرمز لوزارة الخارجية واستأثر هو بالامر؟ ام انه يريد تقليد ما عمله لينكولن مع سيوارد الذي اعطاه مروحة واسعة من الحرية في السياسة الخارجية حتى ظُنّ أنه الرجل الثاني في الادارة الاميركية بعد الرئيس. او ان الطريقة التي يريدها تشبه طريقة الرئيس ويلسن مع وزير خارجيته براين الذي اتفق معه مسبقا على كل السياسات التي يجب ان تتبع وتنفذ.
ان كل ما يهم منطقة الشرق الاوسط في هذا الموضوع هو ما يتعلق بها مباشرة. وهناك ثلاثة عناوين رئيسية بارزة ومعقدة وكانت فيها وجهات النظر مختلفة بين الرئيس اوباما ووزير خارجيته هيلاري كلينتون اثناء الانتخابات التمهيدية. اما الآن فقد سدل الستار عليها واصبح كل منهما في موقع المسؤولية او كما كان يقول الرئيس كينيدي بأن ما تراه من البيت الابيض هو غير الذي تراه من خارج البيت الابيض والاثنان الآن في الداخل. وعلينا ان نرى اين كانت الخلافات في وجهات النظر بين الاثنين لنكوّن رؤيا تساعدنا على فهم السياسة التي سوف تتبعها الادارة تجاه الشرق الاوسط.
اولا: في الموضوع العراقي
اتهمت هيلاري اوباما بأنه ساذج عندما قال انه يريد ان ينسحب من المستنقع العراقي وحدد المدة الزمنية لذلك. بينما كانت هي ترفع الصوت عاليا ضد هذا الامر، وكانت وافقت مع الرئيس بوش على غزو العراق. وكانت هيلاري تنتقد اوباما في حملتها الانتخابية وتتهمه بأنه لا يعرف شيئا عن السياسة الخارجية بينما هي زارت 88 بلدا واقامت ثماني سنوات في البيت الابيض وهذا ما اعطاها الخبرة الكافية للتعاطي مع الازمات الدولية او ايجاد الحلول اللازمة لها. اما الآن فقد اصبحت وزيرة للخارجية وعليها ان تتجاوب مع نداء الرئيس اوباما وتعمل بارشاداته وتوصياته في التحضير للانسحاب من العراق وبالمدة الزمنية التي حددها.
ثانيا: انسحاب اسرائيل
من الاراضي العربية المحتلة
والسؤال هنا هل ان الرئيس اوباما سوف يعطي الاولوية للموضوع الاقتصادي المتدهور في البلاد ويترك زمام الخارجية للوزيرة كلينتون؟ فاذا حصل هذا الامر فان الوضع في المنطقة سوف يزداد سوءا وتتعرض سمعة الرئيس للانتقاد وعدم التطلع اليه كرجل سلام في العالم. ويعتقد بعض المحللين بأن الوزيرة الجديدة لن تفعل الا ما تريده الدولة العبرية وتوافق عليه وفي هذه الحال سوف تجمد عملية السلام في المنطقة. وذلك لأن اسرائيل لا تريد تطبيق القرار 242 الذي يدعو الى الانسحاب من جميع الاراضي العربية المحتلة. ولكن البعض الآخر من المحللين يرى ان الرئيس اوباما سوف يقف في وجه التعنت الصهيوني وخاصة الذي يأتي من الاحزاب المتطرفة ويعمل على جعل اسرائيل تتحمل المسؤولية وحدها اذا لم توقف اعتداءاتها على جنوب لبنان واذا لم تنسحب من هضبة الجولان ومن الضفة والقطاع وتساعد على قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
ثالثاً الموضوع الايراني:
قال اوباما انه يريد ان ينفتح على ايران ويفتح ابواب الحوار معها دون شروط مسبقة وذلك لمعالجة كل القضايا العالقة بين البلدين والتوصل الى تسوية وتفاهم دون اللجوء الى القوة والعنف. ولكن مواقف الوزيرة كلينتون اثناء حملتها الانتخابية تختلف عن مواقف الرئيس اوباما. فقد هددت باستعمال القوة ضد ايران ولكن الآن وهي وزيرة الخارجية فان القضية لم تعد قضية انتخابات وعليها ان تتعاطى بالمنطق الوضعي والديبلوماسي وتعمل على تهدئة الاجواء بين الطرفين والا تتأثر بآراء اللوبي الصهيوني في استعمال القوة ضد ايران، لان اسرائيل غير اميركا فهي تخاف من ان يقتلها تعنّتها وعنصريتها في المنطقة وهي خائفة على مصيرها من تطور القوة الايرانية وهي تعرف ان القضية ليست قضية مفاعل نووي انما الصواريخ التي بامكانها ان تحمل المواد المدمرة وان لم تكن نووية. وطهران حققت هذا الهدف وتقول بأن مفاعلها النووية ما هي الا لاغراض سلمية بحتة.
إن الاستراتيجيين الاميركيين والجيوبوليتيكيين يعرفون تمام المعرفة ما هو موقع ايران الاستراتيجي، فهي تطل بنفوذها على العراق وتؤثر على مجريات الامور فيه، وهي موجودة في فلسطين في دعمها "حماس" وبقية الفصائل الفلسطينية في وجه اسرائيل، وهي موجودة في لبنان ويقوى دورها فيه يوماً بعد يوم. وهي تطل على افغانستان والخليج العربي، وعلى بحر قزوين وتسيطر على مضيق هرمز ولها علاقة استراتيجية واتفاقات عسكرية مع سوريا ويحاول الغرب ولوج البوابة السورية كي تصلهم بايران.
مهما تحدثنا عن موضوع الشرق الاوسط كل ملف على حدة فان حقيقة الامر تدل على ان الامور مترابطة ومن الصعب حل كل مشكلة على حدة ويجب على اوباما وادارته ان يدركوا بان الحل يجب ان يكون شاملاً وعادلاً والا يكون الرئيس في واد ووزيرة خارجيته في واد آخر.
إن هيلاري اليوم غير هيلاري الامس وهي تريد ان تكون وزيرة خارجية قوية بانجازاتها في تحقيق السلام. كما ان الرئيس اوباما الرجل الصاعد صاحب الحلم يريد ان يكون نموذجاً يحتذى به. انه ظاهرة جديدة، يريد ان يكون رئيساً قوياً ينتظره التاريخ وقائداً يمسك بزمام الامور بادارته ليحقق الحلم الكبير الذي يحلم به الجميع الا وهو السلام والاستقرار العالميين.
(أستاذ جامعي)
"االنهار"




















