كان الجدل الذي فجّرته النقاشات الدائرة حول تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا، مناسبة لتدقيق خيار نقل الطاقة أنبوبياً عبر سوريا، من نواحي التكلفة والتحديات الأمنية والسياسية.
تصريحات توم باراك جاءت في سياق جلسة “عصف دماغي”، ضمت خبراء ومسؤولين سوريين وأميركيين، خلال مؤتمر للطاقة، عُقد في واشنطن قبل أيام. وتركزت المداخلات على التحديات المتعلقة بتوريد الطاقة ونقلها في المنطقة. وقال باراك خلالها إن منطقة الشرق الأوسط تمر بـ”لحظة استثنائية”، تملك فيها سوريا “القدرة” لتكون “جزءاً من الحل” للمعضلة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. وعليه، لم يقصد باراك، أن سوريا يمكن أن تكون بديلاً –بالمطلق- عن هرمز، كما نُقل عنه، على نطاق واسع.
ولنبدأ بمناقشة جدوى هذا المشروع النظري، اقتصادياً. إذ وفي سياق نقاشات اليومين السابقين، مالت كفّة الكثير من المراقبين باتجاه التقليل من هذه الجدوى، من زاوية مفادها أن سعة أنابيب نقل الطاقة، لا يمكن لها أن تحل محل ما يتم تمريره عبر مضيق هرمز -20 مليون برميل نفط يومياً- وذهبت تقديرات البعض إلى أن سعة الأنابيب العملاقة لا تتجاوز 2 مليون برميل يومياً، في أفضل الأحوال. وجرت المقارنة مع خط أنبوب “بترولاين” السعودي، أو خط “سوميد” المصري. وهي مقارنة غير دقيقة. إذ تصل سعة خط “بترولاين”، كمثال، إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً، والإشكالية فيه، تكمن في محدودية قدرته على تحقيق هذه السعة بأقصاها، جراء قدرة الاستيعاب المحدودة في ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي ينتهي عنده الخط. إذ لا يستطيع الميناء التعامل –لوجستياً- مع أكثر من 2.5 مليون برميل يومياً. ما يعني أن المعضلة –في هذا المثال- لا تتعلق بسعة النقل البرّي عبر الأنابيب.
ويمكن نظرياً، لثلاثة أو أربعة أنابيب نقل ضخمة –بذات سعة خط “بترولاين”- أن تنقل ما يقترب من الرقم الذي يمرّ عبر مضيق هرمز، بالفعل. لكن يبقى الشق التطبيقي لهذا الافتراض النظري، متعلقاً بجانب آخر، هو الكلفة. وهنا، يُجمع المتخصصون في هذا المجال، على أن التكاليف الإنشائية لخطوط نقل الطاقة، أكبر بكثير من التكاليف الإنشائية لناقلات الطاقة العملاقة بحراً. لكن في المقابل، فإن التكاليف التشغيلية للخيار الأول، أقل بنسبة 50%، مقارنة مع التكاليف التشغيلية للنقل البحري. أي أن نقل الطاقة عبر الأنابيب برّاً، يحقق جدوى اقتصادية أعلى –من حيث التكاليف- على المدى البعيد. ونحن نناقش هنا، افتراضاً نظرياً مفاده، نقل الطاقة برّاً عبر الأنابيب، من دون وصلات نقل بحري. لأن الأخيرة ترفع التكلفة، وتزيد من المتطلبات اللوجستية. أي أن خطوط أنابيب لنقل الطاقة تبدأ من دول الخليج، عبر الأردن وسوريا وتركيا، وصولاً إلى أوروبا –وصلة بحرية قصيرة تحت مضيق البوسفور أو الدردنيل في تركيا- تحقق جدوى اقتصادية مرتفعة للغاية، على المدى البعيد.
لكن يبقى التحدي الأبرز، والأهم، والمتعلق بالحاجة للاستقرار السياسي، ولتعاون معزول عن التوترات السياسية بين دول المصدر والعبور. وهي سمة بعيدة عن الحياة السياسية بالشرق الأوسط، المترع بالتوترات. وفي دراسة نشرها مركز الخليج للأبحاث، بقلم ناجي أبو عاد –مستشار في دراسات الطاقة- تحت عنوان: “أنابيب النفط والغاز في الشرق الأوسط – ما لها وما عليها”، تم استعراض تاريخ مشاريع أنابيب النفط والغاز في المنطقة، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية، وحتى وقت قريب، عام 2025. وأشار معد الدراسة إلى أن لهذه المشاريع سجل حافل بالإخفاقات، لأسباب تتعلّق أساساً بالصراعات السياسية داخل دول العبور، أو بينها وبين دول المصدر.
ويخلص معد الدراسة إلى نتيجة تقلل من جدوى النقل الأنبوبي البرّي، مقارنة بخيار نقل الطاقة بحراً. لأسباب سياسية بحتة، لا تتعلق بالتكلفة أو الجدوى الاقتصادية أو حتى التهديدات الأمنية. لكنه في الوقت نفسه، يشير إلى تجدد الرغبة لدى مختلف دول الإقليم، في إيجاد حلول لتوفير نقل آمن للطاقة، بعيداً عن الممرات البحرية، مع كل أزمة سياسية أو عسكرية كبرى، تعصف بالمنطقة. والملفت في الدراسة، الإشارة إلى تحليل يقول إن النقل بالأنابيب أكثر مقاومة للهجمات من النقل البحري، وفق استعراض تاريخي لمشاريع وطرق نقل الطاقة بالمنطقة.
ورغم اتهام معد الدراسة للمحللين الغربيين بمحدودية النظر حيال مفهوم أمن إمدادات الطاقة بالمنطقة، وعدم ربطها بسياقها السياسي، إلا أنه أقر في نهاية ورقته، بحاجة دول الإقليم وصنّاع السياسة فيها، إلى أن يضعوا فكرة إنشاء شبكة نقل إقليمية كبرى للطاقة، على رأس أولوياتهم، لزيادة التنمية بالمنطقة، وخلق حوافز أكبر للتعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بعيد الأمد.
تلك إحدى الآراء التخصصية، التي تنتقد خيار نقل الطاقة أنبوبياً، لأسباب متعلقة بالتحدي السياسي، لكنها تقرّ بالحاجة إليه على المدى البعيد، لأسباب اقتصادية وتنموية. وهنا نقول، إن التفكير بتنويع أنظمة نقل الطاقة في المنطقة، لم يعد رفاهية، بعد إغلاق مضيق هرمز، فعلاً، بعد عقود من التلويح بإغلاقه، قولاً. وها هو العراق يدرس جدياً نقل جانب من نفطه عبر سوريا والأردن. ويمكن الرهان على أن دول الخليج ستحذو حذوه في القريب العاجل. بطبيعة الحال، وفي حالة سوريا، المرشحة لأن تكون أبرز دول العبور لهذه المشاريع الطموحة، يكمن التحدي السياسي بوصفه أكبر التحديات. متفوقاً حتى على التحدي الأمني. وهو ما يتطلب من سلطة الرئيس أحمد الشرع، تلمّس “الرُشد” في خيارات معالجاتها للتحديات الداخلية إلى أبعد مدى، وعدم التورط في معارك جانبية لا مبرر لها، من قبيل “منع المشروبات الروحية” وارتداداته التي طالت المكوّن المسيحي سلباً، مؤخراً. فتوفير بيئة مستقرة في سوريا، هو الخطوة المبدئية باتجاه جذب هذه المشاريع للمرور عبر أراضيها. وتلك مهمة السلطة الحاكمة بدمشق، ومسؤوليتها الرئيسية.





















