بعد سقوط نظام بشار الأسد، وخلال انعقاد ما سُمّي بمؤتمر النصر، صدر قرار بحل أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية. وشمل حزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الشيوعي السوري (جناح بكداش)، والحزب الشيوعي السوري الموحد، وحزب الوحدويين الاشتراكيين، والحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، والاتحاد الاشتراكي العربي، والاتحاد العربي الديمقراطي، وحزب الاشتراكيين العرب، وحزب العهد الوطني، والحزب السوري القومي الاجتماعي (المركز).
للوهلة الأولى ظهر القرار وكأنه يطوي صفحة الحياة الحزبية المرتبطة بالنظام السابق، وترك انطباعاً لدى بعض المتابعين ولا سيما في أوساط السلطة الجديدة، بأن البلاد دخلت في فراغ سياسي كامل.
من نافل القول إن هذا الاستنتاج متسرع. وربما أخذت نشوة النصر بعض أصحابه، حين تصوروا أن تلاشي النظام الأسدي يعني نهاية كل ما كان حاضراً في الحياة العامة السورية، حتى قبل وجود البعثيين في السلطة! وبدلاً من هذا التفكير الذي يظن أصحابه أن التاريخ يبدأ بهم، يتوجب قراءة وتفكيك المشهد الحزبي في سوريا قبل سقوط النظام، وعدم تجاهل وجود أحزاب وقوى سياسية تاريخية خارج إطار الجبهة، عملت في ظروف شديدة القسوة من أجل استمرارها.
واقع القمع الأمني لم ينه وجود هذه القوى السياسية، لكنه حرمها من شروط العمل السياسي الطبيعي. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين غياب الأحزاب وغياب النشاط الحزبي. وحين ننظر إلى معادلة السياسة في سوريا الأسدية، ندرك حجم الأثمان التي دفعها المنتسب إلى حزب معارض بسبب انتمائه: عشرات السنين من الاعتقال والملاحقة، وهذا يعني أن الحياة الحزبية كانت كامنة تحت سطح القمع، وليست معدومة.
الجبهة التي شكلها الأسد الأب في بداية سبعينيات القرن الماضي، كانت من الناحية النظرية إطاراً لتحالف أحزاب تشارك في إدارة الدولة. بينما جرى تفصيلها من الناحية العملية لتكون مظلة شكلية تكرّس هيمنة حزب البعث. وكان البعث نفسه واجهة لسلطة أكثر تركّزاً، انتقلت من حكم الحزب إلى حكم العائلة، ثم إلى حكم الفرد.
وبناء على هذا النهج، تشكلت طبقات متراكبة من الواجهات السياسية، كل طبقة تمنح شرعية للطبقة التي تعلوها. لذلك فإن حل أحزاب الجبهة أزال طبقة من هذه الطبقات، ولا يعني تلقائياً تفكك كامل المشهد الحزبي في البلاد.
من أجل فهم الوضع الحالي، من الضروري العودة إلى طبيعة الحياة الحزبية السورية خلال العقود الماضية. حيث كانت العقدة الأساسية التي حكمت عمل الأحزاب، بغض النظر عن أيديولوجياتها، هي الموقف من السلطة. فكل حزب كان مضطراً إلى اتخاذ قرار وجودي: إما الالتحاق بالإطار الرسمي وقبول القيود، أو البقاء خارج هذا الإطار وتحمل كلفة القمع.
هذا الوضع الذي استمر لعقود أدى إلى انقسامات داخل الأحزاب نفسها، حيث اختار جزء منها الانخراط في الجبهة أو بناء علاقة مع النظام، بينما رفضت أجزاء أخرى ذلك وانتهى كثير من أعضائها في السجون أو المنافي. فلم يتح المجال للأحزاب كي تتطور بوصفها أدوات تنافس سياسي حقيقي. ولم تتح لها فرص انتشار طبيعي أو بناء قواعد اجتماعية واسعة. النشاط السياسي المسموح بقي محدوداً في إطار أحزاب الجبهة، ويستخدم لتسويق فكرة “الديمقراطية الشعبية” التي روّج لها النظام.
واقع القمع الأمني لم ينه وجود هذه القوى السياسية، لكنه حرمها من شروط العمل السياسي الطبيعي. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين غياب الأحزاب وغياب النشاط الحزبي. وحين ننظر إلى معادلة السياسة في سوريا الأسدية، ندرك حجم الأثمان التي دفعها المنتسب إلى حزب معارض بسبب انتمائه: عشرات السنين من الاعتقال والملاحقة، وهذا يعني أن الحياة الحزبية كانت كامنة تحت سطح القمع، وليست معدومة.
إضافة إلى ذلك، فإن المزاج السياسي لدى السوريين ظل مرتبطاً بالانتماءات الفكرية والحزبية، حتى عند غير المتحزبين تنظيمياً. حيث يعرف كثيرون أنفسهم من خلال الميول اليسارية أو القومية، أو الناصرية، أو الإسلامية، أوالليبرالية. وهذه الانتماءات تشكل أرضية اجتماعية لأي حياة حزبية مستقبلية. ووجودها يعني أن السياسة في سوريا لم تبدأ من الصفر بعد سقوط النظام، وإنما تستند إلى تراكم طويل، حتى لو كان مكبوتاً.
وبالعودة إلى ما بدأنا به، فإن قرار حل أحزاب الجبهة أزال إطاراً رسمياً، لكنه لم ينهِ وجود الأحزاب نفسها التي كانت منضوية فيه. حيث أعلن بعضها عن استمراره، وتجميد النشاط العلني بانتظار صدور قانون جديد للأحزاب. وهذا السلوك مفهوم في مرحلة انتقالية لم تتضح قواعدها بعد. غير أن غياب النشاط الظاهر عزز فكرة الفراغ، وأعطى انطباعاً بأن البلاد بلا قوى سياسية منظمة. بينما هي تنتظر إعادة تنظيم نفسها ضمن شروط جديدة.
ليست سوريا أمام فراغ حزبي، بل أمام حياة سياسية مؤجلة تنتظر شروط انطلاقها. وما بين إعادة تفعيل الأحزاب القائمة وولادة قوى جديدة، يتحدد شكل التعددية التي ستخرج البلاد من إرث الواجهات إلى واقع السياسة.
البعض يرى أن المسألة المطروحة اليوم تتعلق بإنشاء أحزاب من العدم، ويبذل جهداً في البحث عن أفضل أساليب تشكيل الأحزاب وفق أحدث النظم السياسية، بينما قد يكون من المجدي أكثر وتبعاً للواقع السوري المتهالك، إعادة تفعيل الأحزاب الموجودة، وفتح المجال أمامها لتطوير برامجها وبناها التنظيمية، بالتجاور مع تشكل الأحزاب الجديدة. كثير من الأحزاب السورية لم يتمكن من عقد مؤتمرات دورية طوال عقود. وبعضها عقد مؤتمراً واحداً أو مؤتمرين فقط في تاريخه، بسبب الاعتقالات أو القيود الأمنية. وعليه فإن إعادة الحياة السياسية تعني السماح لهذه الأحزاب بعقد مؤتمراتها، مراجعة وثائقها، انتخاب قيادات جديدة، والانفتاح على المجتمع.
يكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل الحديث عن قانون أحزاب جديد، يُفترض أن يُقر بعد انعقاد مجلس الشعب. وإذا جرت الأمور كما هو مفترض فإن أي قانون للأحزاب يحتاج إلى نقاش سياسي واسع. وهذا لا يمكن أن يتم بجدية على يد اللجان المكلفة بوضعه، بل في حضور قوى حزبية فاعلة. وإذا صيغ القانون في ظل صمت الأحزاب أو غيابها، فقد يأتي تقنياً أو فوقياً، دون أن يعكس التوازنات الفعلية في المجتمع. لذلك فإن إعادة تفعيل الحياة الحزبية تسبق منطقياً إقرار القانون، أو تسير معه بالتوازي على الأقل.
وبدلاً من أن يستغرق البعض في الحديث عن الفراغ الحزبي، تبدو الحاجة ماسة إلى قراءة المشهد القائم، والتعرف إلى الأحزاب الموجودة، تاريخها، وبرامجها، وقواعدها الاجتماعية. وبما يساعد على إدماجها في العملية السياسية الجديدة، ويتيح للمجتمع في الوقت ذاته مناقشة الخيارات السياسية المطروحة بوضوح، بدلاً من انتظار قوى جديدة قد تتشكل من دون جذور.
ليست سوريا أمام فراغ حزبي، بل أمام حياة سياسية مؤجلة تنتظر شروط انطلاقها. وما بين إعادة تفعيل الأحزاب القائمة وولادة قوى جديدة، يتحدد شكل التعددية التي ستخرج البلاد من إرث الواجهات إلى واقع السياسة.
- تلفزيون سوريا
























