يصعب، في ضوء التناقض الصارخ في الأهداف المعلنة لأطراف الصراع في الحرب الدائرة في منطقة الخليج، تصوّر إمكان التوصّل إلى حلّ دبلوماسي من دون الإقلاع عن ممارسة لعبة حافّة الهاوية، والبحث عن مخارج تجنّب المنطقة والعالم السقوط فيها. فالولايات المتحدة تطلب استسلاماً غير مشروط من إيران (تمضي إسرائيل إلى محاولة إسقاط نظامها وحتى تفكيكها إذا أمكن)، أمّا إيران فتحاول، بعد أن امتصّت الصدمة الأولى، أن تذهب بعيداً في تحدّي ترامب، واستغلال سوء إدارته الحرب، للمضي في مغامرة، أقلّ ما يقال في وصفها إنّها انتحارية، لتحقيق حلم قديم بالسيطرة على مضيق هرمز، وتحويله إلى ممرّ ملاحي خاضع لقوانينها، ما يضعها في موقع المتحكّم باقتصاد العالم. هكذا، يبدو كلّ طرف وكأنّه اعتلى رأس شجرة، ورمى بالسلّم الذي صعد عليه.
الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنّها الطرف الأقوى في صراع يأخذ باضطراد أبعاداً لا تماثلية، تجد نفسها في مأزق كبير ناجم بشكل رئيس من الطريقة الارتجالية التي يتعامل بها المستوى السياسي مع أهداف الحرب وخططها. ويبدو واضحاً الآن أنّ إدارة الرئيس ترامب تعاملت باستخفاف، أكثر من اللازم، مع الحالة الإيرانية، إذ وضعت، من جهة، أهدافاً أكبر بكثير من الموارد التي حشدتها لتحقيقها، وأساءت، من جهة ثانية، قراءة المشهد الإيراني من خلال قياسه بالنموذج الفنزويلي، حيث تمكّنت واشنطن في عملية كوماندوز خاطفة من إبرام صفقة مع نظام نيكولاس مادورو، بعد إزالة رأسه خطفاً. فوق ذلك، لا يبدو أنّ إدارة ترامب كانت تملك خططاً بديلة فيما لو فشلت عملية “قطع الرأس” التي اتبعتها لإخضاع إيران، وهي لم تفكّر حتى في هذه الاحتمالية، ما يفسّر تعاملها مع الحالة بحسب تطوّرها على الأرض، بما في ذلك استقدام مزيد من القوات تمهيداً لعمل برّي لم يكن في الحسبان، ومحاولة بناء تحالف دولي لفتح مضيق هرمز الذي صار إغلاقه محور الصراع، بعد أن كان خارجه قبل الحرب.
في كلّ الأحوال، تعبّر اللغة التي يستخدمها ترامب في تهديد إيران عن عمق المأزق الذي يواجهه، فهو لا يفهم كيف أنّ ضرباته التي نالت بشدّة من قدراتها النووية والصاروخية والبحرية ومن قياداتها السياسية والأمنية والعسكرية، ولا تملك فرصة للفوز أمام التفوق العسكري والتكنولوجي الأميركي، لا تريد أن تستسلم وتبرم “الصفقة” التي يعرضها. لا يهمّ إذا كان ترامب يعي أو لا يعي دور الهُويّة والثقافة في صنع خيارات الأمم، خاصّة في المنعطفات التاريخية، فهذا سؤال فلسفي يُطرح من خارج السياق، ويصلح للنقاش في أوقات أفضل، ما يهمّ هنا هو مقدار الإحباط الذي يسبّبه له ذلك، ويجعله أخطر وأقلّ قابلية للتوقّع ممّا هو عليه عادة، وهو ما لا تعيه إيران.
يعتقد من يحكم إيران (محقّاً ربّما) أن ترامب يتهيّب الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة معها، أو التورّط في حرب برية تعيد إلى الأذهان صورة حروب فيتنام والعراق وأفغانستان، لكن إيران يجب أن تدرك، أيضاً، أنّ شخصية ترامب النرجسية، وخشيته من فقدان السيطرة على حزبه، وخسارة الانتخابات النصفية، وتدمير “إرثه” الرئاسي، بما في ذلك النظر إليه باعتباره قد أضاع هيبة أميركا، وسرّع عملية انحدارها في ظروف تحوّل عميق في النظام الدولي، لن ترجع من هذه الحرب من دون صورة نصر لا خدش فيها، ولو اضطر فعلاً أن يعيد إيران، كما قال، إلى “العصر الحجري”، وهذا يأخذنا إلى الحديث عن مأزق هذه الأخيرة.
تواجه إيران واحدة من أحلك الفترات في تاريخها المعاصر، وسط حالة من عدم اليقين تطاول ليس فقط نظامها، بل وجودها كذلك كياناً سياسياً وقانونياً. وبعد فشل استراتيجيتها الدفاعية القائمة على محاربة الخصوم بالوكالة، وخارج أرضها، تخوض إيران الآن الحرب على ترابها، وبدماء شعبها، وفوق ذلك، في مواجهة القوة الأعظم في العالم، والخيار المطروح عليها هو الموت أو الاستسلام غير المشروط. في ظلّ معركة وجودية، يملك النظام الإيراني ورقتَين يحاول أن يناور بهما للحصول على صفقة أفضل من تلك التي يعرضها ترامب، تتضمّن معاهدة عدم اعتداء تكفل بقاءه، ورفع العقوبات عنه، وهما مضيق هرمز، والتهديد باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج العربية، والتسبّب بأزمة طاقة غير مسبوقة قد تؤدّي إلى انهيار اقتصادي عالمي. المشكلة أنّ النظام الإيراني يلعب لعبة “الرجل المجنون” نفسها التي يتقنها ترامب، ويعتقد أنّ بإمكانه الذهاب أبعد من ذلك والاحتفاظ بالمضيق، وهو ما لن يحصل.
- العربي الجديد
























