المجزرة المريعة التي وقعت جنوب بغداد، بدت وكأنها أكثر وأبعد من عملية انتقامية. حجمها وفظائعها ولونها، كلها تشير إلى أنها كانت من النوع الذي يستهدف استدراج ردود فعل طائفية مماثلة، فهي تحمل مؤشرات وبصمات في هذا الاتجاه.
على الأقل، تبدو قابلة لتصنيفها في هذه الخانة، وهنا خطورتها. كما بدت وكأنها جاءت للتذكير، بأن استمرار وزيادة تعقيد المأزق السياسي الناجم عن الانتخابات، من شأنه العودة بالبلد إلى دوّامة الرعب الدموي، التي سبق ووقع في جحيمها.
فالعنف يتغذّى من الانسداد والجرجرة في أزمة ما بعد الانتخابات. وفي الحالتين، الاستدراج والتذكير، تقرع المجزرة جرس الإنذار؛ الذي لا يجوز تجاهله.
تفاصيل تنفيذها، من حيث الدقة وعدد الضحايا وطابع الإبادة الذي اتخذته، فضلاً عن شمولها لأطفال ونساء؛ كله يعيد إلى الذاكرة مشاهد «فرق الموت المتجولة»، التي حصدت آلاف العراقيين، خلال عامي 2006 و2007؛ وكادت أن تقضي على البلد. القتل العشوائي فيها، يحاكي ما كان يحصل في تلك الفترة.
المنازل الأربعة التي استهدفت مساء أمس الأول، في الصوفية جنوب بغداد، أبيد أهلها بالكامل. نفس الدموية المرعبة التي كانت تستثير، فيما مضى، عمليات مضادة؛ تستهدف أبرياء من الجانب المقابل.
وكأنها مصممة لتكرار السيناريو ذاته، أو هكذا تبدو. وفي بلد ما زال على درجة عالية من الهشاشة الأمنية، ومن الاحتقان السياسي الذي فاقمته نتائج الانتخابات؛ يبقى هذا الاحتمال قائماً؛ حتى لو كانت المجزرة ثأرية بالكامل. الحلول الأمنية لوحدها، ثبت عدم كفايتها.
صحيح أنها نجحت إلى حدّ بعيد في تقليص دورة العنف. العمليات الانتقامية والطائفية، تراجعت بصورة ملحوظة. لكن المعالجات الأمنية لم تقو حتى الآن على دحرها تماماً، والمجزرة دليل آخر.
خطورة هذه العملية، ليست فقط بدمويتها المرعبة؛ بل أيضاً بتوقيتها. حصولها في هذه اللحظة بالذات، يرفع من منسوب التأزم لحالة محتدمة؛ يشتد فيها التنافس والصراع على السلطة.
ما يحتاجه العراق الآن هو المزيد من التقارب والهدوء، بحيث يتمكن من صياغة حدّ مقبول من التفاهم الوطني. العكس، ليس سوى وصفة لانتعاش دورة العنف من جديد.




















