لا تُبنى الأوطان على ابتزاز شعوبها، ولا تُصان الكرامات عبر الدفع بالناس إلى الهلاك باسم التاريخ
في كل مرة يشتعل فيها هذا المشرق، يظهر من يطالب الدروز بأن يُثبتوا من جديد أن لديهم “انتماء”. أن يعلنوا ولاءهم، ويحددوا موقعهم، ويبرهنوا أنهم ليسوا “مشروعا منفصلا”، ولا “خاصرة رخوة”، ولا “أداة بيد العدو”. وكأن هذه الجماعة محكوم عليها أن تمتثِل دائما أمام لجنة تحقيق علنية، لتقدم أوراق اعتمادها بالدم، وتدفع ثمنا مضاعفا فقط لأن قرارها الجريء كان ولا يزال الصمود والمحافظة على وجودها.
الدروز ليسوا أكياس رمل في معارك الآخرين، ولا خطوط تماس ثابتة تُستَحضر كلما احتاج أحدهم إلى تحقيق بطولات شفهية أو إرساء توازن جيوسياسي ما. هذا الخطاب الذي تُغَلفه تعابير التاريخ والعروبة ومفردات المشرقية، ليس إلا دعوة صريحة لوضع الدروز في فوهة المدفع، ثم محاسبتهم إذا حاولوا الانحناء لتفادي الرصاصة.
مَن قال إن الدروز، أو أي جماعة أخرى، ملزمون بتقديم فحص دم في الوطنية كلما انهار هذا الشرق؟ مَن قرر أن الوطنية في هذا السياق ليست عقدا يحمي الإنسان، وأنها امتحان دائم يهدد حياته ومصيره؟ ولماذا يُفرَض هذا الامتحان على فئة معينة فقط، بينما ينجو الآخرون من هذه المساءلة؟
إلا أن الحقيقة الساطعة التي يهرب من تذكرها الكثيرون، هي أن الدروز، كغيرهم من الشعوب، ليسوا مجرد فكرة عابرة، بل إنهم بشر سطّروا التاريخ بذاكرة من الدماء، وعانوا الغدر والخذلان. بشر شهدوا على مشاريع كبرى تُرفع باسمهم ثم تُسحق فوق رؤوسهم. من القومية العربية التي انتهت بهزائم وانكسارات، إلى الإسلام السياسي الذي حوّل المجتمعات إلى ساحات فرز وتكفير، إلى دول وطنية انهارت عند أول اختبار جدي، تاركة جماعاتها مكشوفة مجردة من أي حماية أمام السكين.
ومع ذلك، لا يزال هناك من يطالبهم بالمزيد.
الأخطر من ذلك هو هذا الجهل الفجّ الذي يحاول شيطنة أي علاقة بين دروز لبنان، وإلى حد ما دروز سوريا، وبين دروز إسرائيل. فجأة، يصبح أي تضامن، وأي تواصل، أو أي إحساس بالانتماء الاجتماعي، “مشروعا سياسيا”، أو “اختراقا صهيونيا”، أو “خيانة مقنّعة”. هذا ليس تحليلا سياسيا، هذا جهل.
الدروز في لبنان وسوريا، حين ينظرون إلى دروز إسرائيل، يتطلعون إليهم خارج إطار “الدولة”، بل إنهم يرون في دروز إسرائيل امتدادا اجتماعيا وإنسانيا لا يمكن اقتلاعه بخطاب أيديولوجي. يرون أقارب وذاكرة مشتركة امتدت على مر العصور. من لا يدرك هذه المسألة في جوهرها، لا يفهم الدروز، بل لا يفهم طبيعة هذا الشرق في عمقها أصلا. لأن هذا الشرق، شئنا أم أبينا، مكوناته لا تنحصر بدول وحدود فقط، بل قوامه شبكات عميقة من الروابط التي تتجاوز الخرائط.
المستقبل في هذا المشرق لن يُبنى عبر فرض هويات جماعية بالقوة، ولا عبر ابتزاز جماعات كاملة باسم الوطنية
هل يعني ذلك تبرئة إسرائيل؟ طبعا لا. لكن تحويل كل علاقة اجتماعية إلى مؤامرة سياسية هو دليل عجز، لا دليل وعي.
المشكلة الحقيقية ليست في هذه العلاقات، بل في الخطاب الذي يريد أن يحتكر تعريف “الشرعية” وماهية “الوطنية”، ثم يوزعها على الناس بحسب مزاجه. إنه الخطاب نفسه الذي غاب عندما كانت المجازر تُبث على الشاشات، ها هو اليوم يكتشف فجأة غيرته الأخلاقية عندما شعر أن الدروز قد لا يلتزمون بالدور المرسوم لهم.
فلنطرح السؤال الواضح والصريح: أين كانت هذه الحماسة عندما كانت المجازر تُرتكب؟ أين كان “المركز”، وأين كان “العقلاء”، وأين كانت “الأمة”؟ من تحرك؟ من حمى؟ من قدّم ضمانة واحدة حقيقية لأي جماعة مهددة؟
لا أحد.
لكن حين تبدأ الضحية بالتفكير في النجاة، تصبح محط اتهام.
هذا هو النفاق بعينه.
أما السرديات التاريخية التي تُستَحضَر اليوم، من “حراس الثغور” إلى “الاندماج في المركز”، فهي، مهما بدت لَبِقة، لا تصلح لتكون حكما بالإعدام على الحاضر. التاريخ ليس أمر تعبئة؛ والذاكرة ليست سلاحا يُشهر في وجه من يطلب الأمان. ما أوصلنا إلى هذا الخراب هو بالضبط هذا الإدمان على تحويل الماضي إلى عبء على الحاضر، بدل أن يكون درسا له.
لقد جُرّبت المشاريع الكبرى: الناصرية، البعثية، الإسلام السياسي. كلها رفعت شعارات الوحدة والتحرير والهوية، وانتهت إلى تفكيك المجتمعات، وسحق الأفراد، وتعميم الخوف. هذه المشاريع لم تحمِ الأكثريات، فكيف بإمكانها أن تحمي “الأقليات” التي تتذكرها فقط عند الحاجة؟
ووسط هذا الركام، يأتي من يريد إعادة تدوير الفشل، ويطلب من الدروز أن يذوبوا في نهجه مرة أخرى.
هنا بالضبط يجب استحضار معنى مختلف للتاريخ؛ ليس كحشد من الشعارات، بل كخبرة في البقاء. شخصيات مثل الأمير السيد عبد الله التنوخي لم تبنِ موقعها عبر الانتحار الجماعي ولا عبر التماهي الأعمى مع أي مركز، بل عبر عقلنة العلاقة مع الواقع، وإنتاج تسويات تسمح بالاستمرار. التجديد عنده لم يكن خيانة، بل كان شرطا للبقاء.
وهذا هو الدرس الذي يرفض كثيرون تعلمه.
المستقبل في هذا المشرق لن يُبنى عبر فرض هويات جماعية بالقوة، ولا عبر ابتزاز جماعات كاملة باسم الوطنية. المستقبل، إن كان له أن يولد أصلا، فسيقوم على أمور أبسط، وهي أن يتمكن الدرزي والسني واليهودي والملحد من العيش معا من دون استخدام أحدهم وقودا للآخر. أن تكون المواطنة عقدا حقيقيا، لا شعارا فارغا. وأن تتوقف هذه المنطقة عن معاقبة من يحاول النجاة.
أما الاستمرار في هذا النهج القائم على التخوين، والتعبئة، وفرض الأدوار، واستحضار التاريخ انتقائيا، فلن ينجم عنه إلا المزيد من الجثث والجبال المعزولة، ناهيك عن تفاقم وضع المجتمعات التي تجد نفسها تعاني بحثا عن خلاصها.
وعندها، لن يكون السؤال لماذا يفكر الدروز، أو غيرهم، بالتخلي عن المراكز.
بل لماذا لم يبقَ المركز مركزا أصلا.
وفي نهاية هذا السجال الذي لا نهاية له، يبقى مشهد واحد أصدق من كل الخطابات والسرديات: جبل الشيخ حين يكتسي بالبياض، كعمامة عُقّال الدروز لا يكون مجرد منظر طبيعي، بل هو تذكير قاسٍ بأن البقاء في هذا الشرق لم يكن يوما حكرا على من يُكثر الصراخ، بل على من عرف كيف يوازن بين الجرأة والعقل، وبين الكرامة والنجاة.
لهذا، حين يُردّدون:
قوم بلا جهّال ضاعت حقوقهم
وقوم بلا عُقّال راحوا قطايع”…
يكون المعنى اليوم أوضح من أي وقت مضى. ليس المطلوب أن يتحول الدروز، أو غيرهم، إلى وقودٍ دائم لإثبات الانتماء، ولا أن يُدفعوا إلى معارك لا يملكون قرارها ولا نهايتها. المطلوب ببساطة أن يُعترف بحقهم، كما حق غيرهم، في أن يكونوا أحياء لا شهداء مؤجلين في خطاب الآخرين.
هذا هو الدرس الذي يرفض كثيرون الإصغاء إليه: لا تُبنى الأوطان على ابتزاز شعوبها، ولا تُصان الكرامات عبر الدفع بالناس إلى الهلاك باسم التاريخ. ومن لا يفهم ذلك، سيبقى يطالب بالمزيد من التضحيات… حتى لا يبقى مَن يُضحي.
- المجلة
























