ملخص
عاد ملف المقاتلين الأجانب لواجهة المشهد السياسي في سوريا، وعادت التوترات الأمنية في أكثر بقعة تأوي عائلاتهم والمخيمات التي تضمهم، فما أن أغلق الأوزبك باب المواجهة مع قوات الأمن العام بعد محاصرتهم لمقر أمني يتبع لـ”الأمن الجنائي” لفك احتجاز أحد المقاتلين على خلفية مشاجرة جرت في ريف إدلب، حتى عاد التصعيد مجدداً في ريف إدلب الشمالي، ووقعت اشتباكات بين قوات الأمن السورية وقوات تركستانية وأوزبكية في محيط بلدات “الفوعة” و”كفريا” و”كفر جالس”، ترافقت مع حملة مداهمة واعتقالات وتعزيزات عسكرية وصلت مع اندلاع المعركة.
حين تصل إلى بلدة “الدانا” يأخذك طريق أحادي ضيق، ممتلئ على حافتيه بحفر خلفتها قذائف الهاون من زمن الحرب، إلى مدينة إدلب بشمال سوريا، لا يكف بصرك عن التقاط مشاهد مؤلمة لدمار بيوت، وأشجار زيتون معمرة اقتلعت من جذورها أو قطعت بصورة جائرة، بينما تطالعك لافتات طرقية كتبت بلهجة “تكفيرية” مثل “الأغاني حرام”، و”الديمقراطية كفر”، وعبارات أخرى “تشتم” العلمانية.
وليس خافياً بقاء جمهور واسع من المتشددين يرفع أعلاماً ذات طابع ديني ما زالت ترفرف فوق بيوتهم وفي الأماكن العامة هي بالأصل رايات “هيئة تحرير الشام“، التي تزعمت المنطقة لسنوات قبل السقوط المدوي لنظام الأسد منذ أكثر من عام، وانتزعت الحكم منه عقب سلسلة عمليات سريعة وخاطفة بدأتها من حلب وصولاً إلى دمشق بالتحالف مع فصائل متشددة من بينهم مجموعات أجنبية.
“إخوانكم المجاهدون” بهاتين الكلمتين ذيلت الفصائل المسلحة توقيعها على سيل من اللافتات على طول الطريق، ومعها رسخ “اللباس الشرعي” نفسه بقوة، ولحف النساء بأثواب وجلابيب سوداء، فلا وجود لامرأة “متحررة” أو “سافرة”، كما تنعت المرأة التي لا ترتدي حجاباً يغطي رأسها في بلد حكمته العقلية المتشددة.
“لن نقبل بالعلمانية”
“من المغضب أن تشاهد امرأة بلا حجاب، بل إن النقاب هنا شبه إلزامي ويعمم على الفتيات بعمر مبكر، لن نقبل بالعلمانية أن تطرق باب مدينتنا”، هكذا وصف أحد البائعين في جولة لنا داخل إدلب بعد وصولنا من مخيمات الشمال المتوزعة قرب الحدود التركية (خيام النزوح)، التي بدأت تنحسر مع عودة النازحين قسراً لديارهم وبلداتهم المدمرة، لكن بقيت مخيمات لعائلات المقاتلين الأجانب، الذين يحظون بدعم وترحيب شعبي، إذ يرد قسم كبير من السوريين الفضل لهم بتحرير سوريا في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024، وعاشت عائلاتهم واندمجت مع المجتمع بإدلب على رغم تشددهم الذي يصفه بعضهم بـ”المبالغ به”.
الأجانب “العقدة والحل”
في الأثناء، سرعان ما عاد ملف المقاتلين الأجانب لواجهة المشهد السياسي في سوريا، وعادت التوترات الأمنية في أكثر بقعة تأوي عائلاتهم والمخيمات التي تضمهم، فما أن أغلق الأوزبك باب المواجهة مع قوات الأمن العام بعد محاصرتهم لمقر أمني يتبع لـ”الأمن الجنائي” لفك احتجاز أحد المقاتلين على خلفية مشاجرة جرت في ريف إدلب، حتى عاد التصعيد مجدداً في ريف إدلب الشمالي، ووقعت اشتباكات بين قوات الأمن السورية وقوات تركستانية وأوزبكية في محيط بلدات “الفوعة” و”كفريا” و”كفر جالس” ترافقت مع حملة مداهمة واعتقالات وتعزيزات عسكرية وصلت مع اندلاع المعركة.
وبحسب مصادر ميدانية، دارت اشتباكات عنيفة داخل بلدة الفوعة بين قوات الأمن والأوزبك وقعت على إثرها إصابات في صفوف الطرفين، وتمكنت القوة الأمنية من اعتقال 20 مقاتلاً أوزبكياً حاصروا في أيام سابقة مقر “الأمن الجنائي” في إدلب، ويصف مراقبون هذه التطورات المتلاحقة والصدامات مع الأجانب بأنها تحجيم لنفوذهم المطلق، وسعياً من الحكومة لبسط سلطة الدولة والقانون.
وكان المقاتلون الأجانب الذين تدفقوا إلى سوريا توزعوا بين “جبهة النصرة”، وفروع أخرى لتنظيم “القاعدة”، وتنظيم “داعش“، وبلغت ذروة نشاطها حتى عام 2018 الذي شهد بداية انحسار نشاطهم. وأحصى مركز “جسور” للدراسات نحو 5 آلاف فرد ينتمون إلى 15 دولة في الأقل من دول عربية وأجنبية، مثل تونس والجزائر والأردن والمغرب ومصر والسودان وكوسوفو وألبانيا والشيشان والجبل الأسود وصربيا ومقدونيا الشمالية وتركستان الشرقية وفرنسا.
ولا يوجد إحصاء واضح لعدد المتشددين الأجانب، ولكن عددهم تناقص بالتأكيد لأسباب عدة منها عبورهم إلى بلدان أخرى تخوض نزاعات. وكشف إحصاء حديث لعدد المقاتلين الأجانب عن أن أعدادهم تراوحت بين 5 و7 آلاف مقاتل، منهم حزب العمال التركستاني الأويغور (2500 إلى 3 آلاف مقاتل)، وتنظيم “حراس الدين” (800 إلى 1000 مقاتل)، أما فرقة الغرباء من طاجيك وأويغور وأوزبك فـ(400 إلى 500 عنصر)، وأما “أجناد القوقاز” أو “مجاهدي الشيشان” فـ(300 عنصر)، ومهاجرو السنة الإيرانيون (200 عنصر)، و”أنصار التوحيد” (200 مقاتل).
الخطف والقتل
وليس مستغرباً أن تصادف مقاتلين أجانب يتجولون بإدلب بعيونهم القوقازية، وشعر طويل مجدول، وبلباس عسكري، يحملون بنادقهم أثناء التسوق، ويرتادون المطاعم والأسواق.
تأقلم هؤلاء مع المجتمع المحلي طوال عقد ونصف عقد من الزمن، بل ليس مستبعداً أن تصادف عائلة أوزبيكية أو تركستانية أو أفغانية جاءت بكاملها بصحبة رب الأسرة لتقاتل في سوريا، بعد انفجار فتيل الحرب في عام 2013 بعدما لفظ الحراك السلمي أنفاسه.
في موازاة ذلك لا تهدأ التوترات الأمنية التي تثيرها الفصائل الأجنبية، ويعزو مراقبون الأمر إلى طريقة دمجهم بالجيش السوري، إثر موافقة الولايات المتحدة على هذا المقترح في أعقاب إصرار الحكومة في دمشق على بقائهم بالبلاد، ومنحهم الجنسية السورية. وضمت الفرقة العسكرية التي حملت الرقم 84، المقاتلين الأجانب، فيما انتقد فريق من السوريين عدم دمجهم بالقوات المسلحة بالكامل، وعدم جعلهم قوة خاصة جماعية يمكنها أن تتمرد في أي وقت.
ويجزم الباحث بقضايا الجماعات الإسلامية عبدالغني مزوز بتفاوت ردود أفعال هذه الجماعات، التي ما زالت تحتفظ بقوتها، ويستبعد أن تشكل هذه المجموعات “تحدياً وجودياً للحكومة السورية، إذ إن النسبة الكبرى من العناصر ذات الميول المتشددة ما زالت تثق بالرئيس أحمد الشرع، الذي يتمتع بولائها المطلق”. وأضاف أن هذه العناصر “لا تريد أن تكرر تجربة ’داعش‘، في إشاعة لغة التكفير وتبني الخطاب الذي تبناه التنظيم المتشدد وروج له في منشوراته، لكن السؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى يمكن للمتشددين العيش في كنف دولة تتبنى قيم التعايش والمواطنة والحداثة المؤسساتية؟”.
وتبقى معضلة المقاتلين الأجانب أحد أبرز الملفات المعقدة والموروثة في أعقاب انتهاء الصراع المسلح في البلاد، إذ شهدت مدينة حارم (ريف إدلب) في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 حالة تمرد، قادها “عمر أومسين” الذي ينصب نفسه أميراً لـ”الجماعة القتالية”، وهو فرنسي من أصول سنغالية، ويعرف باسم “عمر ديابي”، بعد خطف طفلة فرنسية ومفاوضة والدتها على إطلاقها في مقابل فدية مالية، وعقدت وقتها القوات الأمنية الحكومية العزم على دخول المخيم ضمن عملية أمنية واسعة استهدفت تفكيك فرقة “الغرباء” وأميرها.
العقيدة المتشددة
إزاء ذلك ظلت العقيدة المتشددة، تتخذ من إدلب مركزاً لها ومنطلقاً لكل العمليات العسكرية إلى بقية المدن السورية في صراع مسلح قاس خاضته ضد القوات النظامية التابعة لنظام بشار الأسد آنذاك.
وتحول النصر المرحلي الذي حققه الأسد في عام 2017 حين أخرج فصائل المعارضة المتشددة من مدن حمص وحماة وحلب وريف دمشق، وغيرها بدعم روسي وإيراني، وتجميع كل هؤلاء المقاتلين في إدلب إلى نقطة قوة لمصلحة المتشددين بعدما قويت شوكتهم، واشتد بأسهم وترتبت أوراقهم وسرعت اندماجهم، علاوة على استفادتهم من الممرات عبر البلدات الحدودية القريبة من تركيا.
وأعادت هذه المجموعات تشكيل قوتها خلال فترة الهدوء في أعقاب “اتفاق أستانا” الخاص بخفض التصعيد في عام 2018، وبسرية شبه تامة تمكنت “هيئة تحرير الشام” من أن تصنع “جيشاً تحت الأرض”، لعب المقاتلون الأجانب دوراً بارزاً في تشكيلاته.
ويروي لنا أحد المقاتلين السابقين في “هيئة تحرير الشام” (شارك في معركة تحرير حلب) كيف حاولت القيادة العسكرية أن تظهر في الأوساط الشعبية عدم وجود إرادة حقيقة لقتال النظام، لكنها تضع كانت في الخفاء الخطط الهجومية الدقيقة. وأضاف “الأخوة من المهاجرين كان لهم الدور المفصلي، إذ شكلوا مجموعات انتحارية مهدت للمعركة الفاصلة”، على حد تعبيره.
في المقابل ومع كل المساندة التي يتلقاها المقاتلون الأجانب من الثوار السوريين كـ”رفاق سلاح” طوال فترة ثورتهم على بشار الأسد (2013 – 2024)، يطالب معارضون سابقون وناشطون حقوقيون بضرورة التزام الأجانب بالنظام وقوانين البلد. ويروي الحاج قاسم كما يسمي نفسه من إدلب، “نقدر كل نقطة عرق بذلت من المهاجرين لكننا اليوم في طور بناء دولة لها قوانينها وأنظمتها يجب أن تحترم، ومن الجيد أن تنصاع هذه الفصائل لقرارات الحكومة، وإلا سنشهد عودة للمعارك والاقتتال بين الحين والآخر”.
- إندبندنت


























