ملخص
المستقبل للدول التي اختارت التنمية وأبرز نماذجها في دول مجلس التعاون الخليجي المضطرة حالياً إلى مواجهة ما فعلته حرب إيران. والأيام أكدت رأي الاقتصادي الكبير جون ماينارد كينز الذي انتقد “معاهدة فرساي” بعد الحرب العالمية الأولى، وقال “المعاهدة لن تصمد لأن الشرطين السابقين للسلام هما العدالة واستقرار الاقتصاد الدولي”.
ليس في العالم بلد أو إنسان نجا من التأثر بحرب إيران. حرب ليست عالمية بل لها تأثير كوني. حرب دارت ولا تزال فوق جغرافيا محددة من الشرق الأوسط، لم يشارك فيها سوى أميركا وإسرائيل ضد إيران التي ردت بقصف صاروخي مركز على دول الخليج العربي أكثر من الدولة الإسرائيلية.
سبب التأثر الشامل بها ليس كون طموحات الرئيس دونالد ترمب الإمبراطورية ومشروع “ولاية الفقيه” ومشروع “إسرائيل الكبرى” من هموم كل الدول الكبيرة والصغيرة والناس الأغنياء والفقراء. ولا هو انتظار تغييرات جيوسياسية هائلة کما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إنه باختصار كون الحرب تدور على مسرح هو قلب العالم وخطوط الإمداد هي الشرايين التي يتحكم مضيق هرمز بمرور 25 في المئة من التجارة الدولية ولا سيما النفط والغاز.
وباختصار أكثر أن الجيواقتصادي يتقدم على الجيوسياسي والاستراتيجي، وأن غلاء الأسعار يصل إلى أبعد كوخ لأبعد إنسان على وجه الأرض. وأهم ما قادت إليه حرب إيران هو تعلم كل إنسان باللحم الحي، لا فقط المتخصصون في الاقتصاد، درس الاقتصاد وخطورة تفجير حرب بين منشآت النفط والغاز.
الصين تعلمت هذا الدرس قبل كثيرين، وهي أدرکت، منذ دينغ شياو بينغ بعد كارثة “الثورة الثقافية” التي قادها ماوتسي تونغ، أن التركيز على النمو الاقتصادي هو الطريق الصحيح للوصول إلى القمة. فالاتحاد السوفياتي، بكل أسلحته التقليدية والنووية وجيشه الأحمر وحزبه الشيوعي، انهار من الداخل لأنه سار على ساقين اقتصاديتين من فخار. والجمهورية الإسلامية في إيران التي أعطت الأولوية للبرنامج النووي والصاروخي وتأسيس الميليشيات الأيديولوجية المذهبية المسلحة في البلدان العربية والمرتبطة بالحرس الثوري وجدت نفسها قبل الحرب في أزمة اقتصادية حادة تعمقت خلال الحرب، بحيث صار على الإيراني أن يدفع مليوني ريال للحصول على دولار واحد.
حتى قبل الحرب، فإن الدين العالمي وصل إلى 353 تريليون دولار، وقبل أزمة الارتفاع في أسعار النفط والغاز ومن ثم أسعار كل سلعة كانت دورات الأزمات الاقتصادية تتكرر في أميركا وأوروبا، ومن ثم في العالم، ففي أواسط القرن الـ20 كان العالم بالمعنى الجيواقتصادي ثلاثة: العالم الأول يضم الدول الصناعية المتقدمة، والعالم الثاني يضم الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي، والعالم الثالث مؤلف من الدول المسماة نامية، وهي عملياً فقيرة وفي بداية طريق النمو.
اليوم انتهى العالم الثاني، وغرق العالم الأول في العجز، وصار العالم الثالث، بحسب تقرير لجنة النمو برئاسة مايك سبنس الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، “يحتاج إلى نمو لا يقل عن سبعة في المئة على مدى 25 عاماً متواصلة لتحقيق التقدم والتقارب مع العالم المتقدم”، لكن حرب إیران أدت إلى خفض في نسب النمو في العالم الأول وإلى هبوط حاد في النسبة لدى بقية الدول. والتقديرات حول الخسائر لا تزال أولية ومتضاربة حول عدد الأعوام التي تحتاج إليها الدول لاستعادة نسب النمو القديمة.
والأخطر هو توسع الصراع الجيوسياسي بين الكبار كما بين الدول الإقليمية الكبيرة. صراع ما يسمى “الشمال العالمي” و”الجنوب العالمي” وداخل كل منهما. صراع دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى أن تتولى بلاده وروسيا فيه مهمة توحيد بلدان الجنوب العالمي. إمبرياليتان ضد الإمبرياليات الغربية، فالصين التي صارت قوة عظمى اقتصادياً وتكنولوجياً وعسكرياً لا تزال تعتبر نفسها دولة نامية وقائدة للجنوب العالمي، وروسيا التي غزت أوكرانيا وتناطح لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب على قدم المساواة، تطمح أيضاً لقيادة الجنوب العالمي.
وقمة البؤس أن تطغى حسابات الصراع الجيوسياسي وصراع الهويات الثقافية والإثنية والدينية على حسابات النمو الاقتصادي والأولويات الجيواقتصادية في العالم، فالشعوب تحتاج إلى أولويات أخرى. والاستطلاع الذي قام به “المرصد العربي” أفاد بأن أكثرية الشعوب العربية تريد “هوية اقتصادية” وتبحث عن حكم يمكن أن يؤمنها تحت عنوان “الاقتصاد قبل الديمقراطية”، وترى أن “النموذج الصيني من النمو له جاذبية”. والمفارقة في الواقع ليست فقط أن الديمقراطية غائبة أصلاً بل أيضاً أن الإنفاق العسكري وصل إلى أرقام فلكية، إذ تقترب موازنة وزارة الحرب الأميركية وحدها إلى تريليون دولار في العام.
والنماذج مخيفة، اليمن الفقير يتحكم بعاصمته الحوثيون المشغولون بإطلاق الصواريخ لإغلاق باب المندب على حرية التجارة في البحر الأحمر لدعم إيران. النيجر المحكومة بانقلاب عسكري دعمه الروس ضد فرنسا تحتل المرتبة 189 من بين 191 دولة هي الأكثر فقراً في العالم، مع أنها الدولة الرابعة عالمياً في اليورانيوم، لكن المشكلة هي سوء التوظيف والنهب الإمبريالي.
وفي المقابل هناك نماذج واعدة ولامعة، فيتنام التي خاضت أطول حرب مع فرنسا ثم مع أميركا تمارس ما تسميها “دبلوماسية الخيزران” تحت حكم الحزب الشيوعي، بحيث تستقبل رئيس أميركا وتتوصل إلى “شراكة استراتيجية” مع العدو السابق. و10 دول من جيران الصين في منظمة “آسيان” ترفض الخيار بين الصين وأميركا وتصر على “طریق آسیا الثالث” حسب کیشور محبوباتي، بحيث وصل دخلها إلى 3 تریلیونات دولار. وعلى العكس فإن السودان الغني بالنيل والأرض الخصبة الواسعة أفقره الحكم العسكري في حرب هويات وصراع جنرالين کانا شريكين في القضاء على الثورة الشعبية.
والمستقبل للدول التي اختارت التنمية، وأبرز نماذجها في دول مجلس التعاون الخليجي المضطرة حالياً إلى مواجهة ما فعلته حرب إيران. والأيام أكدت رأي الاقتصادي الكبير جون ماينارد كينز الذي انتقد “معاهدة فرساي” بعد الحرب العالمية الأولى، وقال “المعاهدة لن تصمد لأن الشرطين السابقين للسلام هما العدالة واستقرار الاقتصاد الدولي”.
- إندبندنت


























