أخذت الضربات العسكرية المتبادلة بين أمريكا وإيران مناحي جديدة وانتقلت إلى مرحلة أخطر وعتبة تصعيدية نوعية.
كان لافتا، على الصعيد الإيراني، تركّز الضربات على الأردن الذي تلقى أربع ضربات كبيرة خلال خمسة أيام، بما فيها هجوم يوم الجمعة الذي أدى إلى مقتل جنديين وفقدان آخر، وأدت هذه الهجمات مجتمعة إلى إصابة عشرات الجنود الأمريكيين وإلحاق أضرار بعدد من المروحيات.
ازدادت أهمية استهداف الأردن، من المنظور الإيراني، بعد نقل البنتاغون أعدادا من قواته من البحرين والإمارات وقطر إلى المملكة الهاشمية وإسرائيل، باعتبارهما أكثر أمانا نسبيا، ومع تعزز دور الأردن إثر تقييد حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين في المنطقة من قدرة واشنطن على نشر قواتها في أراضيهم وتسيير طائراتها في أجوائهم، وهو ما دفع قوات الجمهورية الإسلامية إلى توسّيع نطاق هجماتها في المنطقة لتشمل الأردن، للمرة الأولى منذ توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن في حزيران / يونيو الماضي.
المغزى الآخر للهجمات هنا ليس فقط عدد القتلى والجرحى بل أن إيران باتت – حسب منظور البنتاغون – تستهدف القوات الأمريكية مباشرة، وليس عبر الميليشيات الموالية لها في المنطقة، وخصوصا في العراق.
تشهد المرحلة الأخيرة من المواجهات اتساعا على نطاق الجغرافيا والأنشطة والوظائف والبنى التحتية كي لا تعود ساحة الحرب محصورة بإيران أو في مضيق هرمز بل تشمل الأردن والكويت والبحرين وقطر وعُمان وسوريا، والمنشآت والقواعد الأمريكية في الخليج، والملاحة وناقلات النفط، ومنشآت الطاقة والمياه (ولا سيما في الكويت).
في المقابل تتركز الضربات الأمريكية على هدف إضعاف قدرة إيران على تعطيل الملاحة، وتعطيل منشآتها العسكرية واللوجستية، وبذلك تثبّت الهجمات واقعة أن مضيق هرمز أصبح محورا عسكريا وسياسيا واقتصاديا للحرب وليس مجرد ورقة ضغط جانبية.
تظهر الهجمات أن المواجهة أصبحت إقليمية بالفعل، وإن لم تتحول بعد إلى حرب إقليمية شاملة بكل مكوناتها. السيناريو الأكثر ترجيحا ضمن الأحداث الراهنة هو أن تستمر الضربات الأمريكية على مواقع الصواريخ والدفاعات الجوية والساحلية الإيرانية، فيما تستمر الهجمات الإيرانية على القواعد والموانئ والمنشآت في الخليج، كما ستستمر طهران باستهداف السفن، فيما تتابع أمريكا عمليات الاعتراض البحري.
تستطيع واشنطن مواصلة حملاتها الجوية والبحرية، لكنها ستجد صعوبة في تحقيق الأهداف السياسية القصوى التي أعلنتها مع بدء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران في شباط / فبراير الماضي، مثل نزع القدرات النووية والصاروخية نهائيا أو تغيير النظام بالقوة الجوية وحدها.
لا تستطيع إيران بدورها هزيمة الولايات المتحدة عسكريا بصورة تقليدية لكنها تستطيع رفع الكلفة الأمريكية والإقليمية عبر الصواريخ والمسيرات وتعطيل الملاحة واستهداف القواعد المنتشرة إقليميا وكذلك منشآت الطاقة والبنى التحتية.
غير أن هذا السيناريو، باجتيازه عدة حواجز تصعيدية، يفتح الطريق عمليا إلى السيناريو الأكثر سوءا وهو اتساع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. لقد قامت أمريكا بقصف أهداف داخل إيران، وساهمت عبر انهيار الثقة في «مذكرة التفاهم» في تراجع ثقة إيران بوقف إطلاق النار، كما ساهمت في إعطاء حجج أقوى للأجنحة المتشددة داخل النظام الإيراني.
في المقابل، ورغم مواقف الدول الخليجية المتوازنة تجاه إيران، وامتناعها عن المشاركة في الهجمات، أو السماح باستخدام أراضيها وأجوائها، فإن طهران تابعت استهداف الدول المجاورة، بل وقامت بتوسيع هجماتها أكثر وتركيزها على الأردن، كما تابعت تعطيل مضيق هرمز إضافة إلى الحوادث الأخرى التي تستهدف سفنا وناقلات في باب المندب، مما أضعف قنوات الوساطة القطرية – الباكستانية – العمانية، وراكم مشاعر الاستياء العربية تجاه طهران.
اجتماع هذه العناصر يُضعف بدوره الاحتمال الثالث وهو إعلان وقف إطلاق نار جديد والبدء بتسوية مرحلية، ولكن هذا السيناريو يتطلب تعرّض الطرفين لضغوط متزامنة من دول الخليج والاتحاد الأوروبي والصين، كما يتطلّب صعود منطق الحكمة داخل القيادة الإيرانية، وبالخصوص جناح الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يتعرّض حاليا لضغوط متزايدة، وهو جناح يقدّر جيدا المخاطر التي تهدد اقتصاد البلاد بالانهيار أو تصدّع النظام، وكذلك مخاطر استعداء دول الخليج والمنظومة الإقليمية الإسلامية. يتطلب الأمر أيضا عودة منطق التسوية والاعتدال والسياسة داخل الإدارة الأمريكية، والتي أظهرت مقابلة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الأخيرة مع جو روغان الدور الإسرائيلي الخطير في التحريض على استمرار الحرب وعلى مؤيدي التسوية في «البيت الأبيض».
- القدس العربي


























