تحولت قضية الناشط الصحفي ميلاد الشهابي، من ادعاء شخصي إلى شأن عام أثار مشاعر القلق والغبن من ظاهرة الدعاوى القضائية التي يقيمها عناصر وأزلام النظام البائد ضد السوريين، واستغلال قوانين العقوبات القديمة، مقابل ما يرجعه كثيرون إلى تهاون المؤسسات السورية في تطبيق العدالة الانتقالية.
وتحولت تهم القدح والذم والتشهير، إلى أداة لمواجهة المنشورات والحملات الرقمية المطالبة باعتقال الأفراد وقادة المليشيات المرتبطين بنظام بشار الأسد، خصوصاً أن القانون السوري يشدد العقوبة في حال كانت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفق قانون الجريمة المعلوماتية.
تجريم الناشطين
وتحدث الناشط الصحفي ميلاد الشهابي، عن تلقيه بلاغاً بوجود شكوى قضائية مقامة ضده، بسبب منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، خلال حملة المطالبة باعتقال ومحاسبة شبيحة النظام البائد المقيمين في منطقته، ممن ثبت تورطهم بقمع المظاهرات السلمية والمشاركة في القتال إلى جانب النظام.
وأكد الشهابي، أن المدعين عليه هم شبيحة منطقته، وأقدموا على نشر معروض الشكوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي وصفحته الشخصية، مع رسائلهم التهديدية المتكررة، لترهيبه وإيقاف مطالبته باعتقالهم ومحاسبتهم.
وتعود المشكلة، بحسب الشهابي، إلى “منشور يضم عدداً من الصور لشبيحة الحي، وهم يحتفلون بإطلاق سراحهم من قبل الأمن الداخلي، مستخدمين أسلحتهم الفردية التي منحها لهم النظام البائد أصلاً خلال فترة قتالهم في صفوفه، وجاءت الحملة بعد التواصل مع الأمن ومطالب اعتقالهم بسبب الأدلة الكثيرة ضدهم وأيضاً لتجنب الاحتقان الشعبي من استمرار وجودهم في الحي واستفزازهم للسكان”.
وهو ما حدث فعلاً، إذ شهد حي مساكن هنانو العديد من المشاجرات مع الأهالي المتضررين ومن فقد أحد معارفه إن كان بالوشاية أو الاعتقال أو التصفية على يد هذه المجموعة.
وسبقها حادثة شجار تطورت إلى اشتباكات بالأسلحة الفردية بين أهالي حي الصاخور بحلب ومجموعة من شبيحة النظام البائد، راح ضحيتها العديد من الأشخاص، للأسباب ذاتها من عودة الشبيحة إلى مناطقهم واستفزازهم السكان بإشهار أسلحتهم وإشغالهم الأملاك المغصوبة.
ويستدل الشهابي بهذه الحوادث، التي دفعته لتجديد مطالب اعتقال “الشبيحة المتورطين بدماء الأبرياء” لمنع انتشار الفوضى، خاصة وأن “المؤسسات الأمنية والقضائية ترفض التجاوب أو قبول الادعاءات والشكاوى التي يحاولون تقديمها بشكل قانوني ضدهم”. مؤكداً على أن قبول هذه الادعاءات تتعارض تماماً مع قوانين المحاسبة وتجريم الأسدية، إنما تساهم بالتستر عنهم وتحول الضحايا إلى مجرمين”.
أزمة داخل القضاء السوري
الشهابي ليس الوحيد الذي يواجه هذا النوع من القضايا، بحسب مصدر قضائي، إذ تحول قانون جريمة المعلوماتية إلى أداة في مواجهة الحملات الالكترونية المطالبة بمحاسبة مجرمي الحرب وملاحقتهم، إلى جانب تهم التشهير والتحريض، وهي “ظاهرة خطرة يجب أن يتعامل معها القضاء بتشدد وحزم”.
ويلفت المصدر إلى أن الإطار الزمني المطلوب في معالجة هذه القضايا وغيرها من التراتبية العدلية، غالباً ما تستغلها هذه الفئة، لترويج مظلوميتهم والضغط على الناشطين “وتجاوب القضاء معها ومحاولة إدانة الناشطين وعدم التحرك لتفعيل قوانين تأثيم عناصر النظام البائد وبنود الإعلان الدستوري بتجريم الأسدية والفصل السياسي، تجعلنا أمام تهديد خطير جداً”.
ورغم التأكيد على أن هذا النوع من القضايا، يجب أن ترفض وترد فوراً، خصوصاً وأنها “ادعاء باطل وتقدم ضد صحفيين وناشطين وحقوقيين يمارسون عملهم الطبيعي بالكشف عن المجرمين، إلا أن الأزمة الحالية وما يعيشه القضاء، تجبرنا على أن نضع بالاعتبار الجهة والقاضي الذي يستقبل الادعاء، إن كان قاض نزيه أو من المحسوبين على الثورة أو الجناح الباقي من تركات النظام الباقين على رأس عملهم”.
ويعد قانون الجريمة المعلوماتية الذي صدر خلال حقبة النظام البائد، عام 2022، موضع جدل في الشارع السوري، وسبق وأن أكدت وزارة العدل على تشكيل لجان لدراسة القانون، خصوصاً بعد توقيف الناشط حسان عقاد، في حزيران/ يونيو الماضي، بهدف عدم استغلاله أو تطبيقه على نحو يخالف أحكام الإعلان الدستوري.
وهو ما أكده المصدر، الذي شدد على ضرورة مراجعة القانون “والاستجابة لمطالب تشكيل لجان وهيئات من قبل نقابة المحاميين للدفاع عن الناشطين والضحايا والمتضررين من شبيحة النظام البائد، خاصة وأن جناحا العدالة متمثلاً بالقضاء ونقابة المحاميين بحاجة إلى إعادة هيكلة ودراسة لملفات القضاة ورؤساء النيابات”.
العدالة الانتقالية لم تتأخر
وتتعرض المؤسسات المسؤولة عن المحاكمات والعدالة الانتقالية في سوريا لانتقادات لاذعة، بسبب ما يصفه كثيرون بالتغاضي عن عناصر وقادة المليشيات ما زالوا طلقاء ويمارسون حياتهم الطبيعية ويتمتعون بحرية الحركة والحماية، رغم القضايا التي تقدم ضدهم.
ورغم تأكيده عدم مسؤولية القضاء المختص بالعدالة الانتقالية، بالتعامل مع هذا النوع من القضايا، شدد رديف مصطفى، مدير مكتب المحاسبة في اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية، على ضرورة الشروع بإصلاح جذري وشامل للقضاء العادي، والحاجة الملحة لقوانين وتشريعات جديدة.
ودعا مصطفى، الناشطين والمتضررين وضحايا جرائم النظام البائد، إلى “اللجوء للقضاء المختص بالعدالة الانتقالية وتقديم الشكاوي بحق المجرمين وأن يكونوا جزءً من المسار عبر التوجه إلى غرف النيابة والتحقيق الخاصة باللجنة”.
ويعتبر أن العدالة الانتقالية لم تتأخر وانطلقت بستة مسارات، منها القضائي المتخصص بالجرائم والانتهاكات، وهذا يحتاج إلى الوقت وإجراءات قضائية وقانونية، كما تتطلب تعاون الناشطين والضحايا لملاحقة جميع المتورطين.
ولم يفوت الفرصة للتأكيد على أن هذا المسار يتضمن الجانب الأخلاقي، وإلزام شبيحة النظام البائد، بتقديم اعتذارات علنية للسوريين، بسبب مواقفهم، بدلاً من استخدام القضاء ضد من يتهمهم، ومحاكمة كل من يثبت تورطه بارتكاب الانتهاكات.
- المدن











