ملخص
تبرز تركيا كدولة ذات حضور فاعل في الملف السوري والإطلاع عميق بقدرات البلد ونقاط قوته وضعفه، لتحلّ مكان إيران، ولكن في الوقت ذاته تدور آراء عدة استطلعتها “اندبندنت عربية” لخبراء من سوريا وتركيا، حول مقدرة أنقرة على تقديم الدعم اللازم في المجالين العسكري والاقتصادي، وتوفير وسائل الدعم اللامحدود التي وضعتها طهران في خدمة النظام السابق في حرب طويلة اندلعت منذ نشوب الحراك الشعبي في عام 2011 لإسقاط حكم الأسد حتى الانهيار المدوي لسلطته في 8 ديسمبر 2024.
وضع سقوط بشار الأسد المدوي وهربه إلى روسيا في أواخر عام 2024 نقطة النهاية للنفوذ الإيراني في سوريا، وختم عقداً مضى من التدخل الصارخ في الشؤون العسكرية والاقتصادية والسياسية للبلاد، في ذروة الصراع الداخلي السوري، إلى جانب نزاع خفي مع حلفاء الأسد الآخرين في ذلك الوقت، لا سيما الحليف الروسي لجمع أكبر المكاسب في بلد نهشت الحرب أرضه ودمرت مقدراته.
لم تنسحب إيران والفصائل الموالية لها من سوريا فحسب، بل كان انتصار فصائل المعارضة السورية آنذاك، بداية النهاية لوجودها المصيري في المنطقة، ومغادرتها أرضاً شكلت عقدة الوصل مع مناطق استراتيجية مثل العراق ولبنان والواجهة البحرية على المتوسط، لا سيما بعد حضورها في ميناء اللاذقية. وشكلت خسارة الأرض السورية بالنسبة لنظام الملالي، حليف عائلة الأسد لعقود طويلة، الانتكاسة التي جعلتها تخرج من الساحة العربية كلاعب لا يستهان به والانكفاء بعيداً، تاركةً فراغاً سياسياً وعسكرياً لم يُسد بعد.
بين الفراغ والحضور
إلى ذلك، تبرز تركيا كدولة ذات حضور فاعل في الملف السوري والإطلاع عميق بقدرات البلد ونقاط قوته وضعفه، لتحلّ مكان إيران، ولكن في الوقت ذاته تدور آراء عدة استطلعتها “اندبندنت عربية” لخبراء من سوريا وتركيا، حول مقدرة أنقرة على تقديم الدعم اللازم في المجالين العسكري والاقتصادي، وتوفير وسائل الدعم اللامحدود التي وضعتها طهران في خدمة النظام السابق في حرب طويلة اندلعت منذ نشوب الحراك الشعبي في عام 2011 لإسقاط حكم الأسد حتى الانهيار المدوي لسلطته في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024.
ويجزم الباحث التركي في الشؤون السياسة الخارجية، فراس أوغلو بوجود “حركة ملء تركي للفراغ في سوريا، لكن هذا الحضور يضع في حسابه الأمن القومي العربي، بحيث تحاول الدول العربية أن تملأ الفراغ أيضاً، على رغم الحضور التركي الأقوى الذي ما زال على الأرض، كونه ارتبط بعوامل عدة، منها هجرة قسرية لملايين السوريين إلى تركيا أثناء النزاع المسلح، وحضور القوات التركية في سوريا فضلاً عن تشارك البلدين بحدود طويلة”.
ولا يعتقد أوغلو أن “لدى تركيا القدرة على تقديم دعم غير محدود على المستوى العسكري والاقتصادي لسوريا كما إيران خلال فترة الحرب الأخيرة لإسقاط النظام السابق”، وقال إن تركيا “أضعف من أن تقدم أي دعم، حتى على المستوى المحدود، إذ لم نشاهد ذلك على الأرض. وأعتقد أن الأمر يمكن رده إلى التوازن مع الأمن القومي العربي، وهذا ما تعمل عليه دمشق أيضاً في إدارة هذا الملف. كذلك لا تملك أنقرة القوة الاقتصادية الكبيرة التي تدعم من دون حساب، فهي أضعف من ذلك”.
أما الباحث في العلاقات الدولية، فراس بوزان، فيتفق مع سيناريو امتلاك تركيا كل الإمكانيات لملء الفراغ، “إذ تحظى بقبول اجتماعي واسع وعلى مستويات عدة. أولاً هناك قاعدة اجتماعية، إذ إن جيلاً كاملاً من السوريين إما عاش في تركيا أو ارتبط بها بحكم وجوده في الشمال السوري، وهو يمثل قاعدة اجتماعية وثقافية مهمة”.
أما المستوى الثاني وفق رأيه، فهو الاستراتيجي المنحصر بالقيادة في كلا البلدين “اللذين يستشعران الوضع الاقليمي أمنياً وجيوسياسياً، وهذا يوفر حوافز قوية لتفادي أخطار عدم الاستقرار في سوريا”.
“المستوى الثالث هو عملية إعادة الإعمار”، إذ يرى بوزان أنها تمثل “فرصة اقتصادية هائلة لتركيا لن تتخلى عنها ببساطة، إضافة إلى أن الحضور التركي حالياً لا يثير قلق أو معارضة أطراف عربية نافذة، مهتمة بعدم عودة إيران إلى سوريا”.
وعن كيفية الدعم التركي، يرجح بوزان تقديم أنقرة أقصى ما تستطيع من دعم وتحديداً على الصعيدين الأمني والعسكري، وبخاصة التدريب والمساعدة في تكوين جيش سوري جديد”، لكنه يرى أن “ما يحد من طموحات أنقرة هو أن تمويل عملية التحول في سوريا يتجاوز إمكانياتها”.
انهيار شبكة دولية
وساعد الجيش التركي خلال الحرب السورية على تشكيل ما عُرف حينها بـ “الجيش الوطني السوري”، ويضم ثلاثة فيالق، كذلك دعم تأسيس 8 ألوية مقاتلة في إدلب، ونشر نقاط عسكرية شمال غربي سوريا. وبين أعوام (2016 ـ 2019) نفذت تركيا بمساندة من “الجيش الوطني السوري” ثلاث عمليات هي “غصن الزيتون”، و”درع الفرات”، و”نبع السلام”، تمركزت خلالها في مناطق نفوذ جديدة على طول الشمال السوري، واستفادت من إنشاء مناطق عازلة حدّت كثيراً من الهجمات التي تهدد أمنها القومي عبر الأحزاب الكردية المقاتلة التي عاشت معها تاريخاً طويلاً من العداء، لا سيما “حزب العمال الكردستاني”.
من جانبه، لا يعتبر الباحث التركي في الشؤون السياسية، علي الأسمر، تراجع النفوذ الإيراني في سوريا “مجرد خروج قوة إقليمية، بل انهيار شبكة واسعة من الميليشيات والممرات العسكرية والنفوذ الأمني والاقتصادي التي بنتها طهران خلال سنوات، ومع ذلك فإن تركيا لن تملأ هذا الفراغ بالطريقة الإيرانية، لأنها لا تحتاج إلى سوريا ضعيفة ومقسمة، بل إلى دولة مستقرة قادرة على ضبط حدودها ومنع التنظيمات المسلحة وموجات اللجوء وفتح طرق التجارة والطاقة”.
وأضاف، “يمكن لأنقرة أن تصبح الشريك الإقليمي الأهم لدمشق من خلال تدريب الجيش السوري وتطوير قدراته وتوحيد التشكيلات المسلحة، ودعم حماية الحدود، إلى جانب المساهمة في إعادة تأهيل البنية التحتية والكهرباء والمطارات والمناطق الصناعية وربط الاقتصاد السوري بالأسواق التركية”.
ولفت الباحث التركي إلى أن “هذا الدعم لن يكون بلا حدود، فتركيا لا تستطيع بمفردها تحمل تكاليف إعادة إعمار سوريا أو الدفاع عنها في جميع الجبهات، والأقرب هو قيام شراكة سورية- تركية- خليجية تجمع بين التمويل العربي والخبرة التنفيذية التركية. كذلك فإن النفوذ التركي مرشح للامتداد إلى مختلف الأراضي السورية وليس إلى الشمال فقط لكن بصورة سياسية واقتصادية ومؤسساتية أكثر منها انتشاراً عسكرياً مباشراً”.
الجنوب السوري
في المقابل وجدت إسرائيل في سقوط الأسد فرصة ذهبية لتوسيع المنطقة العازلة على حدودها بذرائع تهديد السلطات الجديدة لأمنها القومي بخاصة أنها تنحدر من خلفية فصائلية. واصطدم هذا التوسع بالنفوذ التركي الذي سعى إلى إحياء قواعد عسكرية للجيش السوري الجديد، منها قواعد جوية دمرتها الغارات الإسرائيلية مثل تدمر، والتيفور، ولكن سلاح الجو الإسرائيلي عاد وضرب هذه القواعد في ريف حمص، وسط البلاد، بعد زيارة وفد تركي إلى تلك المنطقة، في رسالة للأتراك بالتوقف عند حدود الشمال، وعدم تمدد نفوذهم العسكري.
وفي معرض رده حول تساؤلات تتعلق بصدام النفوذ التركي – الإسرائيلي الحاصل وكيف سيؤثر على ملء الفراغ، تحدث الباحث التركي، أوغلو عن “وجود توازنات في قبضة الولايات المتحدة التي قد تطلب من أنقرة عدم الدخول في هذا الصراع، وربما تطلب حكومة دمشق من تركيا عدم التدخل أيضاً، لأنه ليس لمصلحة سوريا أن تتحول إلى ساحة صدام نفوذ، وهذا ليس جيداً لأنقرة أيضاً”.
وأضاف، “لكن إذا أرادت إسرائيل أن تتوغل وتحتل جنوب سوريا فالأمر يختلف كثيراً لأنه سيكون هناك تدخل عربي. أما بالنسبة إلى تركيا، ففي حال شاهدت أن تل أبيب تعمل على تغيير في معادلة الجنوب، أظن أن تدخلها سيكون أكبر مما هو عليه الآن”.
وفي معرض تفسيره إمكانية حدوث صدام بين تل أبيب وأنقرة في سوريا، تطرق الباحث في الشؤون الدولية، بوزان إلى “التجربة في أذربيجان أو ليبيا التي تبيّن أن أنقرة ممكن تذهب بعيداً إذا لزم الأمر، وهذا تفهمه تل أبيب جيداً”. وأردف أن إسرائيل “تدرك أهمية تركيا المتصاعدة استراتيجياً بالنسبة للناتو، وتعرف أيضاً أن لا أحد حالياً سيكون متحمساً لتمويل هكذا صدام ودعمه عسكرياً، وهذا يضعها في مواجهة تركيا وحدها”. ويضيف، “بعيداً من التصريحات الإسرائيلية الصاخبة، المطلوب من جانب تل أبيب في هذه المرحلة هو وجود بنية سياسية وعسكرية ممكنة التوقع في سوريا، وستحاول فرض مناطق عازلة إذا استطاعت، وهذا أيضاً لم يعد سهلاً”.
علاقات متوترة
إزاء ذلك تسود علاقات مطبوعة بأجواء التوتر والمشاحنات بين القيادتين في تل أبيب وأنقرة، بخاصة حين لوحت واشنطن بالموافقة على منح سلاح الجو التركي المقاتلة الأميركية الشهيرة “أف 35” أثناء اجتماع حلف الناتو الأخير في تركيا، ما يزيد النار اشتعالاً بعد طلب الإسرائيليين عدم تسليم تلك المقاتلة للأتراك.
وفي معرض رده على استفساراتنا حول نشاط أنقرة في الجنوب السوري، قال الباحث التركي، الأسمر، إن “هذه المنطقة تبقى الأكثر حساسية بسبب تعارض الرؤية التركية التي تقوم على بناء دولة سورية قوية، مع الرؤية الإسرائيلية التي تفضّل سوريا ضعيفة ومحدودة القدرات. وقد يؤدي ذلك إلى تصاعد التنافس والاحتكاك بين أنقرة وتل أبيب، إلا أن المواجهة العسكرية المباشرة تبقى مستبعدة ما لم تستهدف إسرائيل مواقع أو قوات تركية أو تحاول فرض تقسيم دائم لسوريا”.
إلى ذلك، ينظر الباحث الأسمر إلى “كون تركيا لا تسعى إلى وراثة المشروع الإيراني، بل إلى بناء نفوذ مختلف يقوم على الدولة والتجارة والمؤسسات والجيش الوطني، لأن نجاحها الحقيقي لن يكون في السيطرة على سوريا، بل في المساعدة على قيام دولة سورية مستقرة تشكل شريكاً استراتيجياً وعمقاً أمنياً واقتصادياً لها”.
- إندبندنت
























