على امتداد الأيام الماضية تجمعت العديد من المؤشرات، سواء على الجانب الفلسطيني أو على الجانب الاسرائيلي، والتي تفيد في مجملها ان التهدئة بين حركة حماس واسرائيل – التي استمرت بضعة أشهر – تتعرض بشكل متزايد لاختراقات كبيرة ومتعمدة كذلك، خاصة من جانب السلطات الاسرائيلية، والتي يعقبها أو يصاحبها عمليات اطلاق صواريخ فلسطينية في اتجاه المستوطنات الاسرائيلية، ولو على سبيل الرد بأية وسيلة على الجرائم الاسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل عمليا والمحاصر ايضا من جانب اسرائيل.
وإذا كان من المؤكد ان الالتزام بالتهدئة في قطاع غزة المحتل في الفترة الماضية قد افاد بالقطع كلا من اسرائيل والفلسطينيين بدرجات متفاوتة، ولاسيما في منع او تأجيل التهديدات العلنية الاسرائيلية بالتصعيد واحتمال اجتياح قطاع غزة عسكريا مرة أخرى من ناحية، وتوفير بعض الهدوء ولو النسبي للفلسطينيين في القطاع من ناحية ثانية، إلا انه من الواضح ان حالة الفراغ التي ترتبت على تأجيل الحوار الفلسطينيالفلسطيني الذي كان مقررا في العاشر من نوفمبر الماضي، وتضاؤل الآمال في امكانية تقليل الفجوة بين حماس وفتح بشكل سريع ، خاصة بعد تصاعد الخلافات بينهما، تدفع كلا الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني، أو بمعنى ادق بعض التيارات في هذا الجانب أو ذاك الى التفكير في انهاء التهدئة، ولو من قبيل عدم ترك المسرح خاليا. بغض النظر عن ما يمكن ان يترتب على مثل هذه الخطوة من نتائج على كلا الجانبين.
وفي الوقت الذي تؤدي فيه أعمال الحصار والاغلاق وزيادة الضغوط الاسرائيلية على الفلسطينيين في قطاع غزة، وانتهاك كل القوانين والشرائع والمواثيق الدولية، الى دفع فصائل فلسطينية او مجموعات داخل غزة الى محاولة الرد على ذلك، بغض النظر عن مدى فاعلية الصواريخ الاسرائيلية او تأثيرها ، فان استمرار التهدئة مع عدم احراز تقدم على طريق الحوار من شأنه ان يحرج حركة حماس على نحو او آخر.
وعلى الجانب الاسرائيلي فان اقتراب الانتخابات العامة في اسرائيل في فبراير القادم والميل الى المزايدة بين الاحزاب والقوى الاسرائيلية على حساب الدم الفلسطيني من شأنه ان يغري حكومة اولمرت الى الاقدام على عملية عسكرية ضد القطاع، تستثمرها سياسيا خلال الفترة القادمة، خاصة بعد ان ادى الحصار المتواصل له الى التأثير في بعض جوانب الحياة والقوة فيه على الاقل.
وبرغم توفر الدوافع التي تدفع نحو امكانية التصعيد خلال الفترة القادمة، إلا ان الجانب الآخر من الصورة يشير الى ان هناك في الواقع حاجة اسرائيلية وفلسطينية حقيقية لاستمرار التهدئة ومن ثم امكان تمديدها.
فخلال الأيام الماضية تصاعدت انتهاكات وجرائم المستوطنين الاسرائيليين في الخليل والقدس وغيرهما من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة كذلك، وهو ما دفع اولمرت الى وصف اعمال المستوطنين بأنها «مذابح منظمة».
وبغض النظر عن »شعوره بالخزى» على حد قوله بسبب تلك الاعمال، فانه من مصلحة اسرائيل ليس فقط وقف تلك الممارسات الارهابية، بل اتاحة الفرصة للادارة الامريكية الجديدة للتعامل مع الاوضاع في الاراضي الفلسطينية المحتلة في ظل هدوء نسبي يسمح لها بدفعها نحو الحل، خاصة وان استمرار تلك الاعمال يتعرض لادانة دولية واسعة وصلت الى مجلس الامن الدولي قبل أيام .
وعلى الجانب الفلسطيني فان العودة عن التهدئة لاتحقق اية مصلحة، لا لحماس ولا لقطاع غزة ولا للمستقبل الفلسطيني، باستثناء بعض التصريحات والبيانات أو اعلانات المواقف التي قد تضر أكثر مما تنفع، سواء بالنسبة لحماس او بالنسبة للقضية الفلسطينية ككل.
وعلى ذلك فانه من المأمول ان تتمخض المشاورات الجارية بين حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى في قطاع غزة حول التهدئة عن الاتفاق حول استمرار التهدئة في القطاع، ليس فقط لتفويت الفرصة على رغبة بعض الطراف الاسرائيلية في اجتياح غزة واستثمار ذلك سياسيا، ولكن أيضا لعدم تعريض الفلسطينيين في القطاع لمزيد من المعاناة. وقد يكون العمل لفضح الممارسات الاسرائيلية مفيدا خاصة الآن.




















