التشكيك بأن إسرائيل تمتلك ترسانة من الأسلحة النووية، هو نوع من العبث والتلاعب بالحقائق، لأن هناك أكثر من مصدر إسرائيلي ودولي يعلم ذلك، وحتى دول أوروبا كفرنسا التي أنشأت مفاعل ديمونة، أو من غذته بالتقنيات والخبراء وحافظت على السر، تعلم بكل شيء، وهي التي لا تخفى عليها أي رصاصة تنتج داخلها وخارجها، حتى الاتحاد السوفياتي المنافس بالقوة، اخترقت جواسيس الغرب أسراره وعمقه، وإسرائيل تعاونت مع جنوب أفريقيا، ولكنها قد لا تكون الأساس بامتلاكها تلك القدرات إن لم تكن ممراً، أو تعاوناً بينهما تجمعهما مصالح أثناء الحكم العنصري..
إسرائيل تنكر، وتذهب حساسيتها إلى اعتبار مَن يتعرض لسلاحها النووي، مثل من ينكر المحرقة، مع أن حصانتها ضد أي مساءلة، أو مطالَبة بالكشف عن سلاحها، تحميها كل الدول في مجلس الأمن بدون استثناء، نتيجة تقارب المصالح وحتى الوكالة الدولية الذرية، تصمت لأنها تعرف أن أي اتجاه نحو مساءلة إسرائيل إنما هو تجديف في السراب، ولذلك فإن كشفَ الغارديان ، الصحيفة البريطانية، عن وثيقة التعاون بين جنوب أفريقيا وإسرائيل نحو امتلاك سلاح نووي، لا يعد جديداً أو مفاجئاً طالما توفرت قناعات من مختلف الاتجاهات على هذه الحقائق، لكن ما يثير الأمور أن المنظومة الاشتراكية التي كانت صديقاً للعرب، وعدواً للغرب تجاهلت هذا الكشف في حينه مما يعد تواطؤاً بين الشرق والغرب، وحتى لو جاء المبرر بعدم إمكانية الوصول إلى أسرار السلاح الإسرائيلي فإن إمكانات التجسس لدى السوفيات كانت كبيرة حتى إنهم، في تلك المرحلة، كانوا السباقين في غزو الفضاء، وزرع الأقمار التجسسية وغيرها لأي غرض باتجاه أي عدو لهم من الغرب أو حلفائه..
توقيت النشر لا نعتقد أنه جاء من باب الضغط على إسرائيل بكشف ترسانتها النووية ، أو أنه استجابة لمطالب عربية بإفراغ المنطقة من هذا السلاح، بل كل ما جرى هو لإيضاح الحقيقة وإقرار الأمر الواقع، سواء كان للعرب أو العالم الإسلامي، وإسرائيل قد تكون محقة في التعاون مع الشيطان إذا كان يلبي احتياجاتها، وهي تعلم أنه بعد ضرب المدينتين اليابانيتين بالأسلحة النووية التي فاجأت المعسكر الشرقي، أن من قام بتهريب أسرار القنبلة الذرية ونقلها للسوفيات جواسيس من أصول يهودية، وبالتالي فإسرائيل ضالعة في اعتبار (الميكافيلية) ليست حالة اعتبارية بل هي مبدأ، لكن إذا كان استعدادها بدأ مبكراً في الحصول على السلاح النووي.
فإن العرب تخلفوا عنها عشرات السنين، بل صاروا أقرب إلى الدولة المهزومة تقنياً والفقيرة حتى في حماية أمتها من أسلحة موازية، وبالتالي فإن ما كشفت عنه الصحيفة البريطانية، يعد من الأمور المكرورة، ولا يعادل كشف العامل داخل مفاعلات إسرائيل السيد «فعنونو» لكن ما هو مهم هل تخضع إسرائيل مثل غيرها لإيضاح ما تمتلكه من سلاح ، وتقر بالقوانين الدولية، أم أن خيارها هو الفرضية التي لا تقوى على كسرها تلك القوانين أو غيرها؟




















