علي عبود – كلنا شركاء
أطلق رئيس الحكومة المهندس محمد ناجي عطري تصنيفا جديدا لمنتقدي سياسات حكومته الإقتصادية مثلما فعل من قبل بتصنيفيه السابقين للصحفيين وللشركات العامة !
وكانت إجتماعات الدورة العادية الثالثة لمجلس الإتحاد العام لنقابات العمال في الثالث من شهر أيار الجاري هي المناسبة الملائمة لإطلاق التصنيف الجديد!
أعلن عطري ودون أي مقدمات التالي : "أنا لا أريد أن أسمع الليبرالية وتأثيرات البنك الدولي علينا لأن هناك عناصر معادية تسوق هذه التعابير"..!
ماذا يعني تصنيف عطري الجديد .. والخطير؟
يعني بكل بساطة أن أي شخص يتحدث بعد الثالث من أيار عن تأثيرات "الليبرالية" السلبية على الإقتصاد السوري يعد من العناصر المعادية !
ويعني أن أي شخص يدلي برأي يقول أن البنك الدولي يؤثر في السياسات الإقتصادية للحكومة السورية هو أيضا حسب تصنيف عطري الخطير من العناصر المعادية!
لقد سبق لاتحاد نقابات العمال أن أكد في عدة تقارير عن قيام الحكومة بتنفيذ وصفات البنك الدولي .. وبالتالي هل تصنيف عطري يستهدف إتحاد نقابات العمال ؟!
قد يكون ذلك في الماضي البعيد أو القريب .. ولكن هل سيتجرأ الإتحاد بعد الآن على انتقاد الليبرالية واتهام الحكومة بتطبيق وصفات البنك الدولي ؟
نترك الإجابة لاجتماعات الإتحاد القادمة .. ولكن ماذا عن الإقتصاديين المنتقدين دوما لسياسات الحكومة الإقتصادية والإجتماعية ؟!
بعد ثمانية أيام من تصنيف رئيس الحكومة الخطير ألقى الدكتور عابد فضلية في الحادي عشر من أيار الجاري محاضرة في ندوة الثلاثاء الإقتصادية بعنوان : "إشكالية التشاركية بين العام والخاص والبعد الإجتماعي لعملية التنمية"..
ولا ندري إن كان د.فضلية وكيل كلية الإقتصاد بجامعة دمشق قد اطلع على تصنيف عطري الجديد والخطير قبل إلقاء محاضرته أمام جمهور عريض من الباحثين والمهتمين !
ونحن هنا أمام فرضيتين :
– الأولى : اطلع د.فضلية على تصنيف عطري حول الليبرالية والبنك الدولي ..لكنه مؤمن ومقتنع بأرائه ولايمكن لأي تصنيف أن يزعزع أو يبدل هذه الآراء ..الخ!
– الثانية : لم يطلع د.فضلية على تصنيف عطري لأن الصحف الرسمية تجنبت نشره أو لعدم متابعته فعاليات إجتماع مجلس اتحاد العمال .. ولكن ذلك لايعفي د.فضلية وينقذه من تصنيف عطري ..فكما أن الجاهل بالقانون لايعفيه من العقوبة كذلك فإن جهل د.فضلية بتصنيف عطري لايعفيه من وضعه في قائمة "المعادين"!
والسؤال الآن : لماذا أصبح د.فضلية حسب تصنيف عطري من العناصر المعادية ؟!
يقول د.فضلية في الصفحة الثانية من محاضرته : "إلا أن الواقع في سورية يشير إلى أن الجهات الحكومية قامت بشكل غير مصرح به بتطبيق .. سياسات التثبيت الهيكلي والتكيف الهيكلي التي تمخضت عن الإجتماع المسمى بـ (توافق واشنطن) والوصفات المعروفة لصندوق النقد والبنك الدوليين والتي توصي بتحرير التجارة وانتقال رؤوس الأموال وتحرير الأسعار ورفع الدعم وتجميد الأجور وتخفيض قيمة العملة الوطنية (عند اللزوم) وإطلاق العنان للقطاع الخاص مع ضرورة تقليص دور الدولة بتقليص الإنفاق العام الإستثماري والجاري وخصخصة المؤسسات العامة ببيعها أو تعهيدها كليا أو جزئيا إلى القطاع الخاص..".
ولا يعترض د.فضلية على معظم ماتم تطبيقه من هذه الوصفات ..لكن بمجرد قوله أن نتائج التطبيق انعكست وستنعكس في بعض جوانبها سلبا على تركيبة الإقتصاد والمجتمع .. يضعه مباشرة في قائمة العناصر المعادية حسب تصنيف المهندس عطري.
ويعلن د.فضلية بوضوح تام في الصفحة 9 من محاضرتة المهمة جدا انه "تجري حاليا في سورية عملية خصخصة صامتة للإقتصاد ، وهي تقتطع أجزاء من مؤسسات عامة وتحولها إلى مشاريع خاصة و/او مشتركة .. فالتشاركية المطروحة وتوقيع عقود "بوت" ماهي إلا شكل من أشكال الخصخصة العامة للإقتصاد فخصخصة المنشأة العامة (على سبيل المثال) تعني بيعها للقطاع الخاص ، وهتا يختلف الأمر عن التشاركية ..بل أن مانقصده هو الخصخصة الكلية للإقتصاد .."!
هذا الكلام يناقض تماما ماتؤكده الحكومة ليل نهار بأن لاخصخصة ولا تسريح للعمال وآخر هذه التأكيدات ما أعلنه وزير الصناعة د.فؤاد عيسى الجوني في 21 أيار الجاري:" أن المبدأ الأساسي.. لا يوجد أي خصخصة في القطاع العام الصناعي ولا يوجد أي تسريح لأي عامل ..".. وهذا يعني أن د.فضلية يدلي بآراء تناقض آراء الحكومة .. عطري وأركان حكومته ينفون تطبيق الليبرالية ووصفات البنك والصندوق الدوليين ود.فضلية يقول العكس .. وبالتالي في نظر الحكومة هو من العناصر المعادية!
قد ينجو د. فضلية من ضمه إلى تصنيف العناصر المعادية لأنه أعلن في نهاية محاضرته :" بكل وضوح وصراحة وشفافية نحن مع التشاركية كصيغة من صيغ الخصخصة ..بل مع الخصخصة بكل ماتعنيه هذه الكلمة بيعا ومشاركة وتأجيرا".. ولكن بالمقابل يعد د. فضلية بسبب انتقاداته الشديدة لأداء الحكومة في معرض تطبيقها لوصفات الصندوق والنقد الدوليين من أبرز المرشحين حاليا لوضعه في عداد العناصر المعادية حسب تصنيف عطري الجديد والخطير..!!
ترى هل سيخفف تصنيف عطري من الإنتقادات الشديدة التي تعلو مؤخرا لسياسات حكومته الإقتصادية وخاصة التي تأتي من إتحاد نقابات العمال والذي كان تقريره الأخير في منتهى القسوة بالنسبة لأداء الحكومة تجاه القطاع العام والعمال وتراجع دور الدولة.. ؟
"كلنا شركاء"




















