يدعو مشروع القرار الذي تبنته الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن لمناقشته غداً وبعد غد الى "تأييد المفاوضات" التي بدأت في أنابوليس والتزام المفاوضات الثنائية تحديد المبادئ المتفق عليها للوصول الى معاهدة صلح وحل كل القضايا العالقة وتنفيذ الالتزامات المتخذة في تفاهم أنابوليس. كما يدعو الى تأييد الحكومة الفلسطينية الملتزمة مبادئ اللجنة الرباعية ومبادرة السلام العربية، الى تكثيف الجهد الديبلوماسي بغية تحقيق الاعتراف المتبادل والتعايش السلمي في اطار السلام الشامل، كما يرحب مشروع القرار بانعقاد اللجنة الرباعية السنة 2009 في موسكو.
ويؤكد مشروع القرار، الذي يبدو ان مجلس الأمن يتبناه، مرجعية مفاوضات أنابوليس الداعية الى تحقيق "رؤيا" الرئيس جورج بوش في اقامة دولتين "تؤمن واشنطن بقوة انهما الحل الأفضل"، على ما صرح مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ولش، وتابع في تصريحه لجريدة "الحياة"، "ان عدم انجاز هذه المهمة ليس فشلاً، ففي حوزتنا اليوم ملفات مترابطة لعملية السلام".
صحيح ان ثمة ملفات "مترابطة" موجودة منذ مدريد وأوسلو وكامب ديفيد سُوّقت جميعها وقيل انها "لم تفشل"، لكنها ما استطاعت أن تنجز إلا شراء المزيد من الوقت لاسرائيل كي تمعن في سياسات الضم وتكثيف المستوطنات والتهديد المتنامي للقدس من أجل استباق أي نتيجة تؤول الى تأمين حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه.
لسنا هنا في صدد مناقشة بيزنطية حول اعتبار "عدم الانجاز" هو فشل أم لا، ولكن يجدر التوضيح ان جعل ملف أنابوليس مكوّناً لقرار يصدر عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة يشكل في الواقع انتقاصاً فادحاً من القرارات الدولية الصادرة التي تشكل في مجملها المستند الشرعي والقانوني لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. فإذا تحوّل ملف أنابوليس التوجه والآلية لمعالجة القضية الفلسطينية باستصدار هذا القرار فهذا من شأنه فتح ثغرة تؤول الى اهدار الكثير من حقوق الشعب الفلسطيني. ثم ان التستر على عملية الانتقاص من خلال قرار جديد يعني التفريط بالانجازات التي تم تقنينها في ثبات الاعتراف الدولي الشامل بالحقوق.
وقد برر بعضهم ان رصيد الانجازات القانونية التي انطوت عليها قرارات الأمم المتحدة في مجملها لم تؤد الى نتائج ملموسة او أي خطوات جدية نحو حلول من شأنها توفير الحقوق الفلسطينية. فالواقعية في نظر المسؤولين العرب المشاركين في مجلس الأمن المنعقد غداً وبعد غد تقول ان التمسك بالشرعية الدولية كقاعدة لتأمين الحقوق أثبت انه لم يحقق للفلسطينيين أياً من حقوقهم، وان تخفيف معاناتهم قد يكون – وان مرحلياً – أفضل من عدم الحسم السياسي الذي يجعلنا نقبل بمعاهدات لمعاهدات الصلح مع اسرائيل واستجابة المبادرات الاميركية المدعومة بـ"الرباعية"، والتي من شأنها تأمين بعض الحقوق والانفراجات بدل الاصرار على قرارات دولية غير قابلة للتنفيذ. وحيال الاوضاع المتردية والمأسوية التي يختبرها الفلسطينيون سيسأل "الواقعيون العرب" أليس الأفضل اللجوء الى التدرج نحو المطلوب تحسيناً لحياة الفلسطينيين بدل خوض مواجهات ومقاومة غير مضمونة النتائج. قد يكون في هذه المقولات بعض المنطق نظراً الى المشهد العربي الموصوف حقاً بالتصدع والمشهد الفلسطيني المتسم بالفصام، الا ان التسليم بهذا الواقع الرديء يجب ألا يؤول الى الاستسلام لديمومته والى ثبات هذا التردي.
***
الخطورة في تبني مشروع القرار المذكور ان من شأنه التهميش الفعلي للقرارات السابقة و المتميزة في معظمها، وان لم تكن كلها بالوضوح والالتزام الصريح لحقوق الشعب الفلسطيني، والتي تؤكد ان اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة هي سلطة محتلة وليست كما تتعهد أنابوليس، وقبلها أوسلو ملتبسة مما سهّل لاسرائيل التحايل والمماطلة والامعان في اجراء تغييرات جذرية في الجغرافيا والواقع السكاني من خلال الاستيطان المتواصل والطرق الالتفافية وتهويد القدس، اضافة الى كل الممارسات العدوانية الخارقة لاتفاقات جنيف الرابعة وفرض الحصار الجائر على منطقة قطاع غزة، الخ.
أجل ان تبني مشروع القرار المقدم من الدول الاعضاء الدائمة العضوية يهمش في شكل خطير ان لم يكن يلغي عملياً كل القرارات السابقة، وبالتالي يمعن في تكريس المعوقات والعراقيل التي عطلت "مسيرات السلام" من أوسلو الى أنابوليس الى يومنا، اضافة الى ان القرار ان تم تبنيه يمعن في الانشطار القائم في الحال الفلسطيني، ويسهل لاسرائيل المزيد من التحايل خصوصاً ان مسيرة أنابوليس انطوت على عدم مواجهة مقولة "ان اسرائيل دولة لليهود"، مما دفع وزيرة خارجية اسرائيل وزعيمة "كاديما" تسيبي ليفني الى القول ان قيام دولة فلسطينية من شأنه ترحيل عرب اسرائيل الى هذه الدولة. وثم عدلت كلامها بغية اسكات الاعتراضات الصاخبة على هذا الدليل على عنصرية كامنة. وهذا الكلام صدر عن زعيمة حزب "كاديما "المعتدل" فماذا عن نتنياهو الذي صار يا للعجب، المعتدل" الآخر الذي طوقه مناصرو الليكود في حين كان رئيس الليكود يريد التستير على فاشية حزبه؟ ثم ان تبني هذا القرار يجيء في وقت التراجع الفاقع لحزب "العمل" الاسرائيلي الذي كان يحرص على اخفاء حقيقة عنصرية اسرائيل وتلطيف صورة عدوانيتها. وكل هذه التطورات التي تسبق انتخابات اسرائيل في شباط المقبل تجعل توقيت قرار مجلس الامن بعد يومين في منتهى الخطورة، ويضاف الى ذلك استعانة الشرعية الدولية بنواقص أنابوليس، وبالتالي الامعان في إزالة أي احتمال جريء لاعتبار مجلس الامن ملاذاً لمرجعية السلام العادل في المنطقة.
ولا ادري ان كان بعض المسؤولين العرب يشارك في اجهاض عملي حتى للمبادرة العربية، وان ذكرت عرضا في مشروع القرار – لان المبادرة ذاتها كانت صيغة للحل الشامل وليست احدى بنود "الحل" التي تنطوي عليها شرعنة انابوليس من خلال القرار المزمع تبنيه.
كما ان وجود الامين العام للامم المتحدة عضواً في "الرباعية"، هو عيب يفقد الامين العام اي استقلالية وتجرد مطلوبين من اجل تثبيت شرعية حماية القرارات الدولية واستقامة حياديته، وهذا الموضوع يجب ان يعالجه المسؤولون العرب معه لئلا يبقى محسوبا على تحيزات "الرباعية" والتسهيلات التي بقصد او غير قصد اعطتها لاسرائيل كي تتنصل من مسؤولياتها حيال القوانين الدولية، والمفترض ان الامين العام هو القيّم على التزام الدول الاعضاء اياها. اجل لعل هذه فرصة لدعوة الامين العام استعادة موضوعية مهماته في هذا الشأن لئلا يكون شاهداً ومساهماً في تنفيذ قرارات تناقض قرارات قائمة، وليعود عنصراً مستقلاً ومصححاً كي تتوافق القرارات مع مواثيق الامم المتحدة، وكي تكون الامانة العامة مؤتمنة على حقوق الشعوب، وفي هذا الشأن حقوق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وتقرير مصيره.
ثم ان تكريس انابوليس مرجعية تتجاوز المرجعيات السابقة يعرقل المساعي الرامية الى اعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وازالة الشوائب التي تبين انها تفاقم تعطيل امكان انجاز حقوق الشعب الفلسطيني المنصوص عليها في قرارات الامم المتحدة وقمم جامعة الدول العربية.
ان مجرد اجماع الدول الدائمة العضوية على مشروع القرار يضمن الى حد كبير تبنيه وهذا التبني ينطوي على جعل "رؤيا" الرئيس بوش غير المنجز – وليس "غير الفاشل" – إرثاً له ولادارته الموصوفة بأنها الاسوأ في التاريخ الاميركي المعاصر على الاقل.
وهل من الضرورة ان يشارك العرب في عملية تزوير كهذه لارادة العرب وللشرعية الدولية ولفلسطين المعذبة؟
"النهار"




















