يمكن للراغب في تمرين النفس والعقل على رصد العلاقة بين القانون والقوة، أن يجد في الأيام القليلة الماضية والجارية، ملفات كثيرة تصلح عينات وشواهد. ولا حاجة للتذكير بأن تنظيم العلاقة بين القانون والقوة وتعهد شبكهما الواحد بالآخر هو من بين مدارات السياسة وفهمها وتوظيفها، على الأقل في المعنى الحديث والعصري للعبارة. ثمة، على سبيل المثال لا الحصر، ثلاثة ملفات موضوعة في وقت واحد على طاولة النظر وهي تطاول، وإن من زوايا مختلفة، العلاقة المشار إليها: محاكمة في معتقل غوانتانامو، ومحاكمة محتملة في واشنطن لخمسة حراس تابعين لشركة «بلاك ووتر» الأمنية الناشطة في العراق، وتقرير نشرته جمعية حقوقية إسرائيلية عن تجذر التمييز العنصري ضد الفلسطينيين داخل أراضي ما يعرف بعام 1948 وخارجها أي الأراضي المحتلة عام 1967.
في الملف الأول، تفيد المعلومات بأن الجلسات التمهيدية لمحاكمة «العقل المدبّر» لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 خالد الشيخ محمد وأربعة متهمين آخرين، قد بدأت قبل أربعة أيام في معتقل غوانتانامو السيء السمعة. ويبدو أن المتهمين الخمسة قرروا خوض المحاكمة على أساس الاعتراف بالتهمة الموجهة إليهم، بحسب ما أعلن القاضي الكولونيل ستيفن هينلي الذي يرأس المحاكمة. ففي مستهل الجلسة التمهيدية التي حضرتها خمس عائلات للضحايا اختيرت عبر قرعة شملت لائحة لمئة عائلة، قال القاضي إن المتهمين أعلنوا في مذكرة أرسلوها الى المحكمة سحب الطعون التي قدموها، وعقد جلسة عاجلة للإقرار بذنوبهم. ويظهر أن قرارهم هذا اتخذ في اليوم الذي انتخب فيه باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، أي في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت. ومع أن المتهمين الخمسة يقولون في المذكرة التي أرسلوها بأن قرارهم «لم يخضع الى أي ضغط أو تهديد أو ترهيب أو وعود»، فإن القاضي هينلي سيستجوبهم للتأكد من رغبتهم في الاعتراف بذنوبهم، علماً بأن المتهم الأكبر، خالد الشيخ محمد، قال باللغة الإنكليزية خلال مثوله أمام المحكمة، بحسب ما نقلت الصحف: «لا أريد إضاعة الوقت، خصوصاً أنني لا أثق بأي أميركي».
قد لا يكون مستبعداً أن الرجل الذي تتهمه وزارة الدفاع الأميركية بوضع خطة هجمات 11 أيلول وعرضها على زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، والإشراف عليها تنفيذاً وتدريباً في أفغانستان وباكستان، يستعجل إنزال حكم الإعدام به سعياً الى الاستشهاد أو الشهادة. بل حتى يمكن ترجيح الاعتقاد بأن استعجال الشهادة يهدف الى الالتفاف على قرار أوباما إقفال معتقل غوانتانامو فور توليه السلطة في 20 كانون الثاني (يناير) المقبل، إذ أن الاقفال هذا يؤدي الى مثول المعتقلين أمام محاكم مدنية أو عسكرية عادية بدلاً من المحاكم الخاصة التي شكلتها إدارة جورج بوش في القاعدة البحرية غوانتانامو. فالسياسة في عرف منفذي اعتداءات 11 أيلول، وفي عرف تنظيمهم السديمي المعولم «القاعدة»، تصدر عن رؤية شمشونية (عليّ وعلى أعدائي يا رب) خالصة.
والشمشونية ليست مذهباً فكرياً بقدر ما هي طريقة في التعبير، بالكلام والجسم والسلوك، عن هوية كيانية كلية وجاهزة، تهتدي الى نفسها عبر الحرب الكلية ضد الهوية الكلية للعدو المفترض. ويحتاج هذا الى اقتلاع النفس والنظر من أثقال الاجتماع وصيرورات التاريخ الحافلة بالتفاوت والاختلاف والتعارض. فأمة الإسلام العالمية، كما تفصح عنها أدبيات «القاعدة» وأمثالها، لا تتقيد بمعارف التاريخ والاجتماع ولا تحتمل التدقيق في شروط وتعبيرات التدين الإسلامي واتصالها بثقافات اجتماعية قائمة ومتفاوتة التبلّر والانتشار. بعبارة أخرى تبدأ السياسة من الحد الأقصى للعلاقة بين القوة والشريعة أو القانون ، أي من الحد الذي تنعدم فيه حظوظ السياسة في معناها الحقيقي والنبيل.
لا نعلم، في ما يخص الملف الثاني، إذا كان ممثلو الضحايا العراقيين المدنيون سيمثلون في أي جلسة لمحاكمة الموظفين الخمسة أو الستة في شركة «بلاك ووتر» بعد أن وجه اليهم القضاء الأميركي ومكتب التحقيق الفيديرالي اتهامات بارتكاب «جريمة قتل متعمدة» و «محاولة قتل» أودتا بحياة 17 مدنياً عراقياً في العام 2007.
وتقول الشركة التي يعمل الآلاف من موظفيها الأمنيين في العراق بموجب عقود مجزية مع البنتاغون تتيح «خصخصة» جزئية للحرب، أن الحراس كانوا في حال دفاع عن النفس فيما يؤكد التحقيق الذي أجرته السلطات العراقية أنهم أطلقوا النار من دون مبرر أو استفزاز. وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن تحقيقات المكتب الفيدرالي توصلت الى أن 14 حالة من حالات القتل التي تسبب بها الحراس في بغداد لم تكن مبررة. ما نعلمه، بحسب الصحف، أن أقارب بعض الضحايا العراقيين طالبوا بإعدام المتهمين بالقتل، وأضاف رجل قتل ابنه ذلك اليوم مطالباً بوجوب تقديم مدير الشركة الى المحاكمة، «هو الذي أعطاهم الأسلحة وسلطة إغلاق الطرق وقتل المدنيين».
هناك رجل آخر قتلت زوجته وابنه، اعتبر أن أقسى عقوبة يسمح بها القانون الأميركي ستكون عادلة. المحاكمة العادلة تقتضي ليس فحسب محاكمة مدير الشركة، كما طالب والد المقتول ظانّاً أنه يثبت منظاراً قانونياً للحادثة، بل كذلك محاكمة من أعطى الشركة الأمنية صلاحياتها وفرض تمتعها بالحصانة أمام المحاكم العراقية، بحيث يمكن للسلسلة أن تصل قانونياً الى الرئيس الأميركي نفسه جورج بوش. وهذا ما لا تقبله السياسة التي تعهدت العلاقة «الكولونيالية» بين القانون والقوة مما يذكر بالمحاكم المختلطة وبحادثة دنشواي في مصر عام 1906 أي بعد أكثر من عشرين سنة على الاحتلال البريطاني لمصر.
الملف الثالث هو تقرير سنوي لجمعية «حقوق المواطن في إسرائيل» يلحظ تدهور أوضاع عرب الداخل الذين تضاعف عددهم 7 مرات منذ 1948 صادرت خلالها الدولة العبرية نحو نصف الأراضي التي كانت مملوكة للعرب ولم تتم إقامة حتى بلدة عربية واحدة. وفي المقابل، أقيم خلال الأعوام الستين ما يزيد على 600 بلدة يهودية جديدة. وفي حين يشكل العرب نحو 20 في المئة من سكان الدولة، لا تتعدى مساحة مناطق السلطات المحلية العربية 2.5 في المئة، ناهيك عن منعهم من الامتلاك أو ضمان أراض في أكثر من 80 في المئة من مساحة الدولة. ولا حاجة لعرض أوضاع فلسطينيي أراضي 1967 وتزايد عنف المستوطنين ضدهم وتواطؤ السلطات الأمنية والقضائية معهم.
ما يجمع بين الملفات الثلاثة هو اختلال فاضح في العلاقة بين القانون والقوة وبناء صورة السياسة على هذا الاختلال النازع الى ترجيح منطق القوة. إنها الوضعية الكولونيالية المتجددة وعنفها، وما يولده هذا من شمشونيات حديثة.
"الحياة"




















