بعد مناقشات مكثفة ومراجعة دقيقة استمرت 16 شهراً، وضعت الادارة الأميركية "استراتيجية الأمن القومي" التي تعد وثيقة سياسية مهمة حول الطريقة التي تقيّم بها الولايات المتحدة التهديدات. وتقع الوثيقة في 52 صفحة. تعلن رسمياً انتهاء خطاب الحرب بالشكل الذي استخدمته ادارة الرئيس السابق جورج بوش في العام 2006.
وقدم للوثيقة الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما مشيراً الى ان "العولمة كثفت الأخطار التي نواجهها من الارهاب العالمي وانتشار التقنيات الفتاكة، الى الاضطرابات الاقتصادية وتغيّر المناخ". ومشترطاً المحافظة على التفوق العسكري الأميركي "الذي عزّز الأمن العالمي لمدة عقود". وذلك من خلال "استراتيجية من التجدد القومي والقيادة في العالم استراتيجية تعيد بناء الأساس لقوة ونفوذ أميركا".
وحدد الرئيس الأميركي صيغة النظام الدولي المنشود بقوله: "فالنظام الدولي الذي نسعى اليه هو النظام القادر على التصدي لتحديات عصرنا مجابهة التطرف والتمرد العنيفين، وقف انتشار الأسلحة النووية، تأمين المواد النووية، التصدي لتغير المناخ، مواصلة التنمية العالمية، مساعدة الشعوب على إطعام نفسها والعناية بمرضاها، وأخيراً تسوية النزاعات ومنع ظهورها، فضلاً عن تضميد جراحها ايضاً".
واعتبر المساندة الأميركية للحقوق العالمية "جوهرية للقيادة الأميركية ومصدر لقوتنا في أرجاء العالم". لكنه أقر انه لم يتم بعد تحديد طبيعة مسار القرن الجديد. وهذا لم يمنعه من القول: "ان أميركا جاهزة لتولي زمام القيادة من جديد".
وربطت الوثيقة النجاح في تجسيد استراتيجية الأمن القومي برؤية "العالم كما هو". وتأكيد مواصلة الولايات المتحدة "تحمل كلفة الأمن العالمي من خلال التزاماتنا تجاه حلفائنا وشركائنا، والمؤسسات، وتركيزنا على هزيمة القاعدة والجماعات التابعة لها في أفغانستان وباكستان، وفي جميع أنحاء العالم، وعزمنا على ردع العدوان ومنع انتشار أسلحة العالم الأشد خطورة". ولكن أيضاً مع الاقرار وادراك "انه ليست هناك دولة واحدة بغض النظر عن قوتها تستطيع التصدي لكل التحديات العالمية بمفردها". وهذا على خلفية ان "هذه الاستراتيجية تعترف بالرابط الأساسي بين أمننا القومي، وقدرتنا التنافسية الوطنية، وصلابتنا، وقدوتنا الأخلاقية. وهي كذلك تؤكد من جديد التزام الولايات المتحدة بمواصلة العمل على تحقيق مصالحنا من خلال نظام دولي تكون فيه لجميع الدول حقوق ومسؤوليات معينة". فضلاً عن التركيز "التواصل الأميركي على تقوية وتعزيز المؤسسات الدولية، وتنشيط العمل الجماعي الذي يمكن ان يخدم المصالح المشتركة. وهذا التواصل سيعزز ويدعم تعهدنا بأن يكون النظام الدولي قائماً على الحقوق والمسؤوليات".
وتشدد الوثيقة على أن "التحديث للمؤسسات، وتعزيز الأعراف الدولية، وفرض تطبيق القانون الدولي، ليس مهمة الولايات المتحدة بمفردها ولكنه مسؤوليتها مع الدول التي تتلاقى معها في الفكر، انها مهمة نستطيع قيادتها. تعزيز الأولويات القصوى للأمن القومي".
وتتمحور استراتيجية الأمن القومي على تجديد دور الولايات المتحدة القيادي في المدى البعيد. وتسهيل "اتخاذ اجراء فوري بالنسبة للأولويات القصوى. ولا تقع على عاتق هذه الحكومة مسؤولية أكبر من مسؤولية المحافظة على سلامة وأمن الشعب الأميركي ولا يوجد تهديد للشعب الأميركي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، لا سيما الخطر الماثل في سعي متطرفين عنفيين لحيازة اسلحة نووية وانتشارها لدى دول أخرى".
وتحت عنوان "تقدم السلام والأمن والفرص في الشرق الأوسط الكبير" تشير الوثيقة، الى ان "للولايات المتحدة مصالح مهمة في الشرق الأوسط الكبير. انها تتضمن تعاوناً واسعاً في قضايا مختلفة مع صديقنا القريب، إسرائيل، وتعهداً لا يتزعزع بضمان أمنها، وتحقيق التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني بدولة، ووحدة العراق وأمنه وتقوية ديمقراطيته وإعادة دمجه في المنطقة، وإبعاد إيران عن محاولاتها الحصول على أسلحة نووية ودعم الارهاب وتهديد جيرانها، والتعاون في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومواجهة الارهاب، والوصول الى الطاقة، وإدخال المنطقة في السوق العالمية".
وتذهب بصدد العلاقة الخاصة مع اسرائيل، والدول العربية الصديقة والشركاء في المنطقة الى ما هو أبعد من التعهد بضمان أمنها، وتتضمن علاقات متواصلة في قضايا مثل التجارة والتبادلات والتعاون في عدد واسع ومختلف من المواضيع.
وتجاه الشرق الأوسط، أكدت الوثيقة ان الولايات المتحدة لن تتوانى في سعيها "لتحقيق سلام شامل بين اسرائيل وجاراتها بما في ذلك حل الدولتين الذي يكفل أمن اسرائيل وفي الوقت نفسه يفي بالطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني في دولة قابلة للحياة خاصة به. كما ان تواصلنا الأرحب نطاقاً مع الشعوب الاسلامية حول العالم سيدفع التقدم في مسائل سياسية وعسكرية حاسمة، وبنفس الوقت سيعزز الشراكات حول طائفة عريضة من القضايا التي ترتكز على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل".
وأوضحت الوثيقة ان اي سلام بين العرب وإسرائيل "سيدوم فقط اذا توقفت دول اقليمية عن التدخل بطريقة مؤذية، وزاد التعاون بين القوى البناءة. وفي الوقت الذي نسعى فيه للسلام بين الاسرائيلييين والفلسطينيين، فإننا سنواصل السعي أيضاً للتوصل الى سلام بين اسرائيل ولبنان واسرائيل وسوريا، وسلام واسع بين اسرائيل وجيرانها. كما سنسعى لمبادرات اقليمية تقوم على التعاون الثنائي الى جانب المفاوضات الثنائية".
واعتبرت الوثيقة "دعم السلام العادل في العالم كله ضرورة أساسية لتحقيق مصالحنا الخاصة سلام يمكن من خلاله منح الأفراد، وليس الدول فحسب، الحقوق الأساسية التي يستحقونها".
وتتمثل آليات تجسيد مقومات نجاح استراتيجية الأمن القومي الأميركي في الموازنة "بين جميع عناصر القوة الأميركية وندمجها معاً ونحدّث قدراتنا الأمنية القومية لتتناسب مع القرن الحادي والعشرين. كما ينبغي ان نحافظ على تفوّق قواتنا العسكرية التقليدية، مع تعزيز قدرتها على قهر التهديدات غير المتماثلة. وعلينا تحديث قدراتنا الديبلوماسية والتنموية، وتدعيم قدرتنا الاستطلاعية المدنية من أجل دعم المدى الكامل لأولوياتنا".
وتدعو الوثيقة الى نهج حازم في العلاقات مع دول مثل إيران وكوريا الشمالية، وتدعوهما الى القيام بخيار واضح بين القبول بعروض التعاون أو مواجهة عزلة كبيرة بشأن برنامجيهما النوويين".
رغم غياب أية مؤشرات جدية تفيد بوجود "بيريستروكيا" أميركية أو محاولة جدية للبحث في حقيقة تتمثل في بداية أفول هيمنة طالت ما يقارب 60 عاماً لأميركا في الشرق الأوسط.
وتبدو فكرة فقدان أميركا القوة فكرة غرائبية، لكننا نشهد في كل مكان حالات وهن متعمقة وسط غياب قرار عقلاني من جانب واشنطن لخفض سقف طموحاتها أمام لاعبين اقليميين اكثر ديناميكية. وعلى ان لهؤلاء اللاعبين نقاط قصور خاصة بهم، الا انهم يبدون مهيئين على نحو أفضل للتعامل مع التبعات قياساً مع الولايات المتحدة.
ونرى إيران تتحدى أميركا في المنطقة على نحو فعّال. ويعني رفض واشنطن تطوير علاقة استراتيجية مع العراق من أجل كبح إيران.
كما سوف يكون أثر التوصل الى تسوية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي على الخليج والعراق، وهما ميدان اللعب الحساس للتنافس الأميركي الإيراني، محدوداً.
والجدير ذكره، أنه وجرياً على عادتها كل اربع سنوات، أصدرت وزارة الدفاع الأميركية في فبراير/شباط 2010 تقرير "المراجعة الدفاعية الرباعية 2010".
وقد تزامن الكشف عن الوثيقة مع الاعلان عن الموازنة الدفاعية الأميركية لعام 2011 لتصل الى 708.8 مليارات دولار، وهي تتضمن ميزانية حربي العراق وأفغانستان، والتي تبلغ نحو 160 مليار دولار في العام الحالي ومثلها في العام المالي 2011 القادم.
وتتمثل استراتيجية الدفاع الأميركية وأهدافها في ضرورة مواجهة الولايات المتحدة "حالة معقدة وغير يقينية فيما يتعلق بالأمن، حيث المتغيرات المتسارعة والنقلات المتتابعة والتحولات العميقة التي لم يشهدها المحيط الدولي منذ الحرب العالمية الثانية ولا شهدها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالقوى الصاعدة والتأثير الكبير للاعبين غير حكوميين جدد، اضافة الى انتشار أسلحة الدمار الشامل والتكنولوجيا المدمرة وغيرها كلها من العناصر التي تشكل تحدياً كبيراً لللنظام الدولي".
وتتقاطع هذه الوثيقة مع وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي في تأكيد أن "تعزيز التحالفات القائمة، والبحث عن شراكات جديدة يعبتران عنصرين رئيسيين في استراتيجية الأمن الأميركية، بحكم ان الولايات المتحدة لا تستطيع الحفاظ على الاستقرار المستديم في النظام الدولي بمفردها".
اجمالاً، تعكس الوثيقتان قلقاً أميركياً من المستقبل ودرجة ديمومة الدور القيادي الأميركي على الصعيد العالمي. ولا تبدو هناك جدية في عقد شراكات حقيقية أو أية نوايا بالسير نحو عالم متعدد الأقطاب بل اصرار على عقد صفقات مع وكلاء وأجراء.
"المستقبل"




















