ثمة اجماع إقليمي ودولي على تعاظم الدور التركي بعدما نجح قادة حزب العدالة والتنمية في دفعه قدماً بفضل التمسك بمبدأ "العمق الاستراتيجي" من جهة وبسياسة خارجية تقوم على ما يسميه وزير الخارجية احمد داود أوغلو "صفر مشاكل" مع الدول كافة ذات الصلة او الجوار مع تركيا.
نجحت تركيا في تفعيل هذا "الصفر" مشاكل مع عمقها الاستراتيجي. وبات الدور التركي ليس موضع اهتمام فقط بل موضع ترحيب ايضاً. علماً بأن قلة هي الدول التي يحظى دورها بقبول أطراف متعارضة السياسات والمصالح. والأمثلة على تقدم الدور التركي كثيرة. فالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تزايدت، بحسب اعتراف المسؤولين الاتراك، بعد وصول اوباما الى البيت الابيض على المستويات الاقتصادية والسياسية والامنية… والعلاقات مع اسرائيل لم تنقطع لا سياسياً ولا عسكرياً على الرغم من التراجع الذي حصل في تلك العلاقات بسبب الحرب على غزة، واستمرار بناء المستوطنات والاهانة الديبلوماسية التي وجهت الى السفير التركي في تل ابيب، التي سارعت بعدها اسرائيل الى الاعتذار حتى لا تتسع شقة الخلاف بين البلدين. وقامت تركيا بدور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل. وقد توقفت هذه المفاوضات بطلب من الجانب السوري بعد العدوان الاسرائيلي على غزة.
وطورت تركيا بتوافق مع سوريا العلاقات بين البلدين، من تجاوز خلاف الماضي، الى فتح الحدود من دون تأشيرات، الى عقد الاتفاقات الأمنية والتجارية والثقافية… كما تقدمت تركيا خطوات من المصالحة في جوارها الاوروبي مع قبرص ومع اليونان. وتشهد العلاقات التركية الايرانية مستوى من الاستقرار تحميه عقود واتفاقات حول التبادل التجاري والاقتصادي وتوريد النفط والغاز بمليارات الدولارات. ومن المعلوم ان تركيا تؤيد "حق ايران" في برنامج نووي سلمي وهي ضد السياسة الغربية -الاميركية في فرض العقوبات عليها. أما ذروة هذا الخط البياني الصاعد للدور التركي فكان في الاتفاق الذي نجح وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في الحصول عليه من طهران مع زميله البرازيلي في شهر ايار 2010 حول مبادلة الاورانيوم المنخفض التخصيب، بعد تخزينه في الاراضي التركية، بوقود نووي عالي التخصيب تحتاج اليه ايران في ابحاثها الطبية.
شارك الباحثون العرب في توصيف هذا الدور التركي الصاعد. لكن بعضهم ذهب في امتداحه والاشادة به وبتجربة حزب العدالة والتنمية الى حد الرغبة في "توظيف" هذا الصعود في مواجهة ايران ودورها في المنطقة. فالأول يسعى الى الاستقرار والى السلم الاقليمي وليس لديه مطامع ولا يشكل تهديداً… والثاني هو بحسب تلك الرؤى العربية على العكس تماماً. فإيران تجلب المشاكل وتتسبب بها، ولديها مطامع ونفوذ… لذا "يجب على الدول العربية الاستثمار في المشروع التركي لأن من حسن حظهم أن عودة تركيا جاءت في الوقت المناسب… واذا ما احسن العرب استغلال موقفها فإن من شأن ذلك مساعدتهم على مواجهة التحديات والخروج من الأزمة الحالية… أما لماذا هذا الأمل بالدور التركي؟ فلأن الدول العربية لا تملك "الادوات المناسبة لفرض رؤيتها في تحقيق السلام والازدهار أو لترويض التمدد الايراني" لذا ثمة مصلحة عربية كبرى في دعم التحرك التركي الذي يحظى بالقبول الرسمي والشعبي في المنطقة"…"(علي حسن باكير، "الحياة" 6/4/2010).
وقيل مثل ذلك من جانب باحثين من بعض دول الخليج العربية في منتدى الجزيرة الخامس الذي عقد في الدوحة – قطر – بين 22 و24 أيار 2010. في حين رحب البيان الختامي للندوة العلمية التي عقدها مركز دراسات الشرق الاوسط في الاردن حول "احتمالات اندلاع الحرب في منطقة الشرق الاوسط "في 29/5/2010 "بتنامي الدور التركي الصديق للعرب سواء في ما يتعلق ببناء توازن في علاقات الجوار العربي بمختلف دوله، او في ما يتعلق بتوسيع التحالفات العربية لمواجهة الخطر الصهيوني"… بعدما أكد البيان على ان "اسرائيل هي الخطر الرئيس على الأمن القومي والقطري للأمة العربية والاسلامية…".
يتقاطع مؤيدو الدور التركي العرب على:
– النظر بإيجابية شاملة الى هذا الدور،
– الاعتراف بالعجز العربي عن التأثير في ما يجري في المنطقة، مقارنة بالدورين الايراني والتركي،
– جعل تركيا، الموقع والدور والديموغرافيا والمذهب، في مواجهة ايران.
ما يمكن ملاحظته مما تقدم هو اولاً التناقض في رؤية المؤيدين للدور التركي، بين من يريده الى جانب حركات المقاومة في المنطقة في مواجهة اسرائيل (كما توحي بذلك الخلافات المتنامية بين اسرائيل وتركيا، خصوصاً بعد مجزرة اسطول الحرية المتوجهة الى غزة المحاصرة والتي راح ضحيتها نحو عشرين شهيداً جلهم من الاتراك في 31/5/2010 ) ومن يريد من تركيا تعزيز السلام والاستقرار عبر تشجيع التفاوض مع اسرائيل "لقطع الطريق على تدخل ايران في القضية الفلسطينية". لكن الاجماع بين الفريقين هو على التوازن الذي سيشكله الدور التركي في مواجهة الدور الايراني.
الملاحظة الثانية في هذه المسألة هي ان هؤلاء المراهنين العرب على الدور التركي يعتقدون بأن تركيا تفكر مثلهم، أو انهم هم يفكرون بدلاً منها. بمعنى ان البعض يظن أن تركيا تعيش هاجس التراجع العربي وهاجس التقدم الايراني على حساب العرب في العراق او في فلسطين، او ان تركيا قلقة لأن العرب في حالة انحسار وان عليها ان تشكل رافعة لهم ليستعيدوا التوازن مع القوة الاقليمية الأخرى الصاعدة التي هي ايران. وهنا مكمن الخلل او الغرابة في هذا التصور العربي عن الدور التركي.
فهل هذا التقدير العربي في محله؟ أي هل يمكن الرهان على جذب تركيا الى جانب جبهة الممانعة ضد اسرائيل؟ أو هل يمكن توظيف دور تركيا لجعلها الى جانب العرب في مواجهة ايران لاسباب استراتيجية او مذهبية؟ وهل تطمح تركيا اصلاً وصناع القرار فيها الى دور مماثل؟
لا شك في أن السياسات التركية قد تغيرت بشكل واضح بعد سقوط النظام العراقي عام 2003. قبل هذا التاريخ لم نلحظ مثل هذا التبدل في تلك السياسات. فقد سمح الفراغ الاستراتيجي الناجم عن هذا السقوط بصعود الدورين التركي والايراني مع ارجحية لإيران في العراق. لكن ما يمكن ملاحظته ان الاهتمام الشعبي العربي والاسلامي بهذا التحول في الدور التركي لم يبدأ الا بعد الخلاف البارز مع اسرائيل بسبب الحرب على غزة، وما اعقب ذلك من توتر بين البلدين بعد موقف اردوغان الشهير في منتدى دافوس ضد شمعون بيريس بسبب هذه الحرب ايضاً. اما الاهتمام العربي الرسمي بتركيا فتزايد بعد دورها الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل، من دون ان ننسى بطبيعة الحال العلاقات الاقتصادية المتنامية بين تركيا ودول عربية عدة بما فيها دول الخليج. ومن المؤكد أن الخلفية الاسلامية لحزب العدالة والتنمية ساهمت بشكل رئيس في ادانة اسرائيل في اكثر من مناسبة. كما اعتمد هذا الحزب في ذلك على الرأي العام التركي المناهض لاسرائيل ولسياساتها. وهذا يفسر التظاهرة الشعبية الواسعة التي انتظرت اردوغان في مطار اسطنبول بعد عودته من دافوس إثر "مشاجرته" مع بيريس.
لكن الدور التركي تصاعد ايضاً بعد مجيء الادارة الاميركية الجديدة. وتفسير ذلك لا يرتبط فقط بتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. فما أتاح صعود تركيا وأدوارها الوسيطة سواء بين سوريا واسرائيل، او مع ايران حول تخصيب الأورانيوم… يعود بالدرجة الاولى الى تراخي القبضة الاميركية التي باتت عاجزة عن ادارة العالم بالقوة او بالتهديد أو بالريموت كونترول، فسمحت لدول صديقة مثل تركيا بلعب ادوار عدة تعتقد الولايات المتحدة انها لا تتعارض مع استراتيجيتها في التعامل مع الازمات التي تواجهها ("ان قدرة الولايات المتحدة على تسوية النزاعات قد انخفضت مقارنة بما كانت في الماضي": مائير داغان رئيس جهاز الاستخبارات الاسرائيلية).
ترافق الأمر مع ادراك تركيا "لعمقها الاستراتيجي" العربي-الاسلامي بعد تراجع فرص عضويتها في الاتحاد الاوروبي. لكن صداقة تركيا مع الولايات المتحدة وعلاقاتها السابقة مع اسرائيل السياسية والعسكرية لن تمنعها من تنفيذ سياسات مستقلة، لا يمكن تجاهل علاقتها بالكرامة القومية التركية، ولا بمفهوم "العالم التركي"، أو بالعثمانية الجديدة، ولا بالانتماء الاسلامي لحكومتها الحالية التي تقود البلاد. وهي سياسات قد تتعارض مع ما تريده هاتان الدولتان أي الولايات المتحدة واسرائيل.
ما يفسر الصعود التركي ايضاً ان القوى الاقليمية الاخرى مثل سوريا وايران وحتى اسرائيل ارادت هذا الدور وشجعت عليه وسمحت له بالنجاح. ما يعني ان عوامل خارجية لا يمكن الاستهانة بها هي ايضاً خلف هذا الصعود التركي. ولو تجاوزت تركيا ذلك الدور الوسيط الى دور آخر أكثر فاعلية فستواجه بلا شك معارضة قد تكون قاسية من الآخرين (المجزرة على اسطول الحرية هي رسالة اعتراض اسرائيلي على الدور التركي الفلسطيني "الجديد". راجع مقالة جهاد الزين حول "المأزق التركي" في جريدة "النهار" في 2/6/2010). هكذا يمكن ان نفترض على سبيل المثال لو ان سوريا (أوحتى اسرائيل) لم ترد تركيا وسيطاً في التفاوض بينهما، وأن ايران لم تمنح تركيا فرصة تخزين الأورانيوم على اراضيها بعدما عيل صبر الغرب طوال سنوات في تحقيق مثل هذا الاتفاق… ولو لم تتوافق المصلحتان السورية والإيرانية مع اختيار تركيا كوسيط، لما كان لهذه الأخيرة مثل هذا البريق، و لا مثل تلك الرهانات على دورها… وعلى سبيل المثال فإن السلطة الفلسطينية اردات الولايات المتحدة وسيطاً في المفاوضات غير المباشرة المزمعة مع اسرائيل، وليس تركيا او أي دولة أخرى… ما يعني ان استراتيجية "صفر مشاكل" لا تعتمد فقط على ما تقرره اسطنبول وحدها بل على ما يريده الآخرون ايضاً من صفر مشاكل او من علامات اعلى من ذلك بكثير…
ان الرهان العربي على دور تركي "لاستعادة التوازن" في مواجهة الدور الايراني، والرهان العربي على "الاستفادة من تركيا" التي جاءت في الوقت المناسب" للخروج من الأزمة ومواجهة التحديات" غير مفهوم وغير منطقي اذا نظرنا الى شبكة العلاقات التي تنسجها تركيا وتحد في الوقت نفسه من سقف الدور المرتقب منها ومن العبء الذي يريد البعض ان يلقيه مجاناً على كاهلها. فتركيا على سبيل المثال لا تزال عضواً في الحلف الاطلسي، وهي تعترف باسرائيل، ولها معها اتفاقات ومعاهدات عسكرية لا تزال مستمرة. لكن ذلك لا يمنع تركيا من انتقاد اسرائيل بقوة ومن ادانة عدوانها على غزة. وقد أوقفت تركيا المناورات العسكرية الثلاث المشتركة التي كانت ستجريها مع اسرائيل بعد مجزرة اسطول الحرية … ومن المعلوم ان تركيا لم تتحدث يوماً عن دعم المقاومة في فلسطين او في لبنان. ولم تشكك في شرعية وجود اسرائيل… وتركيا في موازاة ذلك كله تلتزم علانية سقف التسوية في "الصراع العربي – الاسرائيلي" وتعلن تأييدها المبادرة العربية للسلام، والتفاوض مع اسرائيل لحل هذه القضية. وهي مثل باقي الدول العربية والاوروبية تؤيد إقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. ولم نسمع يوماً انتقاداً تركياً للدور الايراني في العراق.
واستراتيجية "صفر مشاكل" بالنسبة الى تركيا تنطبق على ايران مثلما تنطبق على اسرائيل. إلا ان اسرائيل هي التي تدفع تركيا بعيداً عنها… وعندما تنتقد تركيا اسرائيل او تختلف معها فإن الأمر يعود بالدرجة الأولى، الى الغضب من سياسات اسرائيلية محددة تجاه الشعب الفلسطيني او تجاه تركيا نفسها… فكيف يمكن في هذه الحال "الاستفادة" من دور تركي للتوازن مع الدور الايراني اذا كانت العلاقات التركية الايرانية هي علاقات ممتازة؟ فتركيا على سبيل المثال تنسق مع ايران بشأن قضايا عدة في العراق، من وضع الاكراد الى حكومته المستقبلية. وقد وقعت ايران مع تركيا اتفاقاً لنقل الغاز الايراني الى اوروبا عبر تركيا، ويتوقع ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين سنة 2012 الى 30 مليار دولار. وهذا ما لا يمكن تجاهله عند الرهان على دور تركي في مواجهة الدور الايراني لأن ايران بخلاف تركيا تماماً في مواقفها من المقاومة ومن وجود اسرائيل ومن السياسات الاميركية في المنطقة، التي لم تنتقدها تركيا في أي من التحولات التي حصلت منذ سنوات، ولا حتى بعد رفض أوباما ادانة اسرائيل التي قتلت المواطنين الاتراك على متن السفينة مرمرة ضمن اسطول الحرية المتجة الى غزة المحاصرة.
إن الابتعاد التركي عن اسرائيل مهما كانت اسبابه ومهما كان حجمه أو مستواه هو بلا شك في مصلحة الفلسطينيين، وليس في مصلحة اسرائيل. وهو في الوقت نفسه في مصلحة ايران ايضاً. ويمكن الاستفادة كثيراً من المواقف التركية في مسار الصراع المفتوح مع اسرائيل. لكن المشكلة ليست هنا بل في "الاعتماد العربي" على تركيا تارة لادانة اسرائيل والنيل منها وطوراً لمواجهة ايران وتحقيق التوازن معها. علماً بأن استراتيجية "صفر مشاكل" في الداخل ومع الجوار أو ما كان يعرف سابقاً في تركيا ب"سلام في الداخل /سلام في الخارج" يعني ان تركيا لا يمكن ان تكون، بمثل تلك السهولة، في الموقع المذهبي في مواجهة ايران كما يظن بعض المتفائلين العرب. فكيف اذا اضفنا الى سياسة الصفر هذه علمانية الدولة "العسكرية" وملايين العلويين الذين لا يمكن تجاهل ردود فعلهم لو تحولت تركيا الى "سياسات سنية" مذهبية؟ إن مثل هذا التحول يفترض تغييراً جذرياً في خيارات تركيا الاستراتيجية، ما سينعكس حتماً على استقرارها الداخلي الديني والاجتماعي…
إن الاجماع العربي على تقدم الدور التركي وعلى تراجع الدور العربي لا يمكن ان يدفع تلقائياً الى الاستنتاج بأن على العرب "الاستفادة من تركيا" للتوازن مع ايران. فما يفكر فيه بعض العرب ليس بالضرورة هو ما تفكر فيه تركيا. وما تعتقده تركيا مصالحها الاستراتيجية وما يشغل بالها حول دورها المستقبلي لا يستند الى مخاوف العرب ورغباتهم، ومشكلة تركيا الاستراتيجية ليست ايران ولا حتى اسرائيل، بل ربما كانت مشكلتها هي تركيا نفسها. ومن يمكنه القول ان تركيا حريصة على علاقاتها العربية اكثر من حرصها على علاقاتها مع ايران؟ واذا كان المثل العامي يقول "أن القرعة تتباهى بشعر اختها" فإن الأمر لا ينطبق على علاقات الدول ومصالحها.
(استاذ جامعي)
"النهار"




















