الحياة – 15/12/08//
نادراً ما التفت العالم الى رجل واحد كما يلتفت اليوم الى باراك أوباما. حجم الالتفاتة نفسه يشكل نوعاً من التسليم بأن أميركا هي القوة العظمى الوحيدة. الاستنزاف الذي تعرضت له بفعل حروب جورج بوش والأزمة المالية المفتوحة لا يكفيان حتى الآن للقول إنها خسرت مقعد القيادة.
أثار أوباما خلال حملته الانتخابية قدراً كبيراً من الآمال داخل بلاده وخارجها. الكراهية التي تنامت ضد سياسات بوش أوقعت البعض في المبالغة. ثمة من اعتقد أن الرئيس الجديد سينهمك بتقديم الاعتذارات وتوزيع الهدايا. وهذا النوع من الاعتقاد أقرب الطرق الى الخيبات المبكرة.
ملفات كثيرة حارة تتراكم على مكتب الرئيس الذي يستعد لدخول البيت الأبيض. أزمة مالية كبرى وعميقة فاجأت العالم الذي فوجئ من قبل بسقوط جدار برلين. وهي أزمة تطرح علامات استفهام حول بعض المفاهيم التي ادرجت في خانة الثوابت منذ مطلع الثمانينات على الأقل لجهة دور الدولة أمام الاقتصاد المعولم. ملفات أخرى: الانسحاب من العراق وملابساته وتصاعد المواجهة في أفغانستان والتوتر في عمقها الباكستاني وملف الانتشار النووي وأزمة الشرق الأوسط والاشتباك مع الدور الايراني المتصاعد والعلاقة مع سورية وغيرها.
أول ما يجب الالتفات إليه هو أن الرئيس الأميركي الجديد لا يملك حلولاً سحرية. طبيعة الاقتصاد العالمي الحالي لا تسمح بمثل هذه الحلول. ان حجم الأزمة وعمقها يجعلان من المتعذر على طرف واحد لعب دور المنقذ. مواجهة الأزمة لا بد أن تكون شاملة وأن تساهم فيها كل الدول القادرة.
لا يملك الرئيس الجديد أيضاً حلاً سحرياً لسياسة "الابتزاز النووي" التي تمارسها كوريا الشمالية. ولا يملك حلاً سريعاً للأزمة مع إيران. يجب الالتفات هنا الى أن الأزمة المالية تساهم في استبعاد الخيار العسكري. المغامرة العراقية كلفت أميركا حتى الآن ما يقرب من 600 بليون دولار.
لعل أول درس فرضته الأزمة المالية هو استحالة انهائها بقرار أميركي. أو بقرار غربي. أو بقرار في قمة الدول الصناعية الكبرى. لا يمكن معالجة أزمة من هذا النوع في غياب العملاق الصيني الذي يتوقع أن يكون في العقود المقبلة المنافس الأول للولايات المتحدة. ولا في غياب العملاق الهندي. ولا في غياب البرازيل والسعودية. وهذا الدرس كان في أساس انعقاد قمة العشرين.
هكذا يجد الرئيس الأميركي الجديد نفسه أمام مهمة ملحّة وهي إشراك القوى الكبرى والقوى الفاعلة في عبء الأزمة المالية الكبرى وإشراكها في صورة من الصور في مهمة "قيادة" العالم ولو بنسب متفاوتة. لا يعني ذلك أننا عشية قيام عالم متعدد الأقطاب. لكن الأكيد هو أن مرحلة الانفراد الأميركي بالقرار طويت أو جمدت.
سيكون على باراك أوباما ترميم العلاقات مع الدول الكبرى. ترميم العلاقات مع روسيا والتي أصيبت بجروح عميقة بعدما أقدم الكرملين على التذكير بـ "الأنياب الروسية" في الأزمة التي شهدتها جورجيا. والبحث عن شراكة جديدة مع روسيا يعني التفكير في حدود دور حلف الأطلسي والدرع الصاروخية واتفاقات خفض الأسلحة.
يحتاج أوباما أيضاً الى وضع قواعد لشراكة مع الصين تعترف لورثة ماو بحجمهم الاقتصادي الجديد وانعكاسات هذا الاعتراف على حجم الدور الصيني في الشؤون الدولية. ان سلوك الصين في جهود معالجة الأزمة المالية سيعطي مؤشراً على استعدادها لممارسة سياسات دولية مسؤولة. يمكن قول الشيء نفسه عن العلاقة مع الهند والتي شهد التعاون العسكري معها تقدماً في عهد بوش. وعملية الترميم الواسعة هذه لا بد أن تترجم في مؤسسات وآليات لاحتواء الأزمات ومواجهتها وربما استدعت توسيع العضوية الدائمة في مجلس الأمن أو استحداث هيئات أخرى.
اعتماد أوباما مقاربة شاملة تعترف بالأحجام والأدوار وتتفهم المخاوف سيساعده ليس فقط على مواجهة الأزمة المالية بل أيضاً على مواجهة الملفات المتراكمة على مكتبه وبينها الانسحاب من العراق وضبط الصراع في أفغانستان والتحاور من موقع مختلف مع إيران.




















