ما يسود الأوساط الفلسطينية هذه الأيام، تساؤلات قلقة تتعلق بالمستقبل. إلى أين نحن ذاهبون؟ وما الذي ينتظر المستقبل الفلسطيني؟ وتتدرج تلك الأسئلة مما هو بسيط ومتعلق بالخبز والغاز والكهرباء وديمومة الراتب، لتصل إلى مستقبل الكيان الفلسطيني برمته. لعل ما يسود فلسطين من مناخات الانقسام والانشقاق الداخلي، وما ينتظرها من استحقاقات مصيرية تتعلق بالولاية الدستورية للرئيس، وعزمه إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، إلى احتمالات فوز الليكود وعودة رئيسه نتنياهو إلى سدة الحكومة الإسرائيلية، ما يساعد على طرح تلك الأسئلة القلقة.
لم يعد الاحتلال والاستيطان، في أولويات الأخبار والاهتمامات، ولم تعد القضية الوطنية الشغل الشاغل لقطبي الرحى في فلسطين: "فتح" و"حماس"، لتحل محلها قضايا خلافية تتعلق بالتنازع على السلطة والبقاء فيها. لعل أبشعها إطلاقاً ما تعلق بحجيج بيت الله من قطاع غزة، والتنازع بين فتح وحماس على من يذهب أو لا يذهب.
يرى المواطن الفلسطيني العادي كغيره من المهتمين، بأن قضيته الوطنية تحولت، بقدرة هذا الخلاف والانشقاق، من قضية سياسية إلى مسألة تتعلق بفك الحصار، وإدخال المؤن وتشغيل محطة الكهرباء، وتوفير لقمة الخبز لمواطنين محاصرين، يعانون من الجدران والعوازل والحواجز، وتتحكم بحركتهم وتنقلهم من أماكن إقامتهم إلى مناطق مجاورة. كما يتلمس الشارع السياسي، مخاطر ما يسود الصراع القائم على الروح السياسية والتراث الكفاحي برمته، خاصة أن الصراع لم يعد قائماً بين يمين ويسار، بين ديموقراطيين ومستبدين، بقدر ما يدور على أسس جديدة، قائمة على أسس التكفير والشمولية التي لا ترحم.
ما يسود في فلسطين، هو تساؤلات القلق الشخصي والعام في آن واحد. بالتوازي مع ذلك، صارت الحركة السياسية الفلسطينية بتياراتها كافة، مرتهنة لقوة المال من الخارج، وأصبح الجميع أسيراً لهذه القوة وسياساتها، وسط أجواء اليأس والإحباط وازدياد ظواهر شراء الذمم والرشاوى والفساد في الأوساط كافة.
لعل في تلك الأجواء، ما يساعد حقاً على طرح تساؤلات المستقبل في ضوء الماضي، وتحديداً ما سبق أن حدث في مرحلة ما بعد 1948 وقيام الدولة العبرية. عبر تلك الأجواء قام الزعيم الفلسطيني-آنذاك- الحاج أمين الحسيني بإعلان دولة حكومة عموم فلسطين غداة انتهاء الحرب العربية-الاسرائيلية الأولى، وحاول جاهداً أن تشمل هذه الحكومة الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه فشل في ذلك وسرعان ما قامت مصر بإرغامه على ترك القطاع، والانتقال إلى القاهرة، ومن ثم أعلنت مصر سلطتها العسكرية على القطاع وقامت بإدارته. كما قامت إمارة شرق الأردن بإلحاق الضفة الغربية وإقامة المملكة الأردنية الهاشمية، نتيجة توحد الضفتين. ما حدث في الضفة الغربية، كان نتيجة توافقات إقليمية ودولية وأخرى محلية، إذ وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام خيارات حادة وصعبة، كان أسهلها وأقربها للواقع، الوحدة مع إمارة شرق الأردن.
هنالك الآن، تساؤلات من هذا النوع، مع اختلاف الظروف والمعطيات. ماذا لو بقيت "حماس" متمترسة وراء مواقفها في القطاع، وقامت بالإعلان عن نهاية الولاية الدستورية للرئيس محمود عباس في التاسع من كانون الثاني المقبل. وماذا لو فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في عقد دورة جديدة للمجلس الوطني الفلسطيني وتجديد الهيئات القيادية للمنظمة وماذا لو عجزت السلطة عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مطالع العام المقبل؟ وماذا لو بقيت الصفة
الأقوى للرئيس محمود عباس هي، رئاسية للدولة الفلسطينية؟!
عندها سيتشكل وضع جديد، هذا الوضع سيملي على الأطراف الإقليمية التفكير جدياً في مرحلة ما بعد تجزيء الوطن الفلسطيني، واستحالة تحقيق شعار الدولتين وتقرير المصير للشعب الفلسطيني.
سيفتح ذلك الأبواب على مصراعيها، للتفكير جدياً، بإعادة الاعتبار لخيار الكونفيديرالية مع الأردن، وإعادة توحيد الضفتين على أسس جديدة ومعطيات جديدة، وسيكون الاعتبار الأساس في ذلك، التوحد بين المملكة الأردنية الهاشمية، ودولة فلسطين، كدولة معلنة ومعترف بها دولياً.
رفض الأردن سابقاً خيار الكونفيديرالية قبل الاستقلال الفلسطيني وقيام الدولة، لكن مجريات الأمور وخروج غزة عن الإطار الشرعي خلق وضعاً جديداً لا يمكن القفز عنه، ولا يمكن بالتالي التعاطي مع قطاع غزة، كقطاع متمرد دون كونفيديرالية كهذه.
هنالك جملة وقائع ميدانية جديدة، أولها ما يتعلق بغياب دور "فتح" ومنظمة التحرير الفاعل والمؤثر ميدانياً، وانقسام الوضع لفلسطيني الداخلي، واستحالة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية دون توافق نحوٍ يكفل سير عمل الإجراءات المؤدية إلى قيام الكونفيديرالية بين الأردن وفلسطين، بما يتواءم والمصالح الإقليمية ما بين السلطة الفلسطينية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية، وهذا ما تشجعه وترعاه الولايات المتحدة والرباعية.
لعله من المبكر، الآن، التنبؤ بما تحمله مطالع العام القادم، لكن المؤشرات كافة تشير، بأن حدة الاستقطاب بين مركزي الصراع، "فتح" و"حماس" من الممكن أن تؤدي إلى خيارات صعبة كهذه!!
(استاذ في جامعة بيرزيت)
"النهار"




















