هناك منطقتان في العالم يُعاد رسم الخريطة السياسية لكل منهما. والمنطقتان هما الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية. في الشرق الأوسط ربما يكون قانون تقسيم العراق الى محافظات الذي أقرّه مجلس النواب العراقي، المدخل لإعلان ولادة دولة الأمر الواقع في كردستان شبه القائمة حالياً في شمال البلاد. وإذا حدث ذلك فإنه سيكون بمثابة سقوط حجر الدومينو الأول الذي يتبعه تساقط بقية الحجارة الطائفية (الإسلامية المسيحية) والمذهبية (السنية ـ الشيعية ـ العلوية ـ الدرزية ) والعنصرية (العربية والأمازيغية والكردية). وهذا مشروع صهيوني قديم، كان أول من وضعه في أواخر التسعينات من القرن الماضي المستشرق اليهودي المعروف الدكتور برنارد لويس لحساب وزارة الدفاع الأميركية – البنتاغون. ورغم تعثر هذا المشروع في لبنان، ورغم فشله في سورية ومصر والجزائر، فقد نجح في السودان والى حد ما في العراق. وعندما تقوم الدولة الفلسطينية في بقية أراضي الضفة الغربية وغزة، فإن شروط قيامها وتحديد دورها ووظيفتها السياسيين سوف يضيف خطوطاً جديدة الى خريطة المنطقة قد لا تقف عند حدود هذه الدولة العتيدة. أما في أوروبا الشرقية والوسطى، فإن سقوط الاتحاد السوفياتي مهّد الطريق أمام ولادة دول عديدة في آسيا الوسطى في الشرق وفي حوض بحر البلطيق في الشمال. ثم ان سقوط الاتحاد اليوغسلافي السابق فتح الباب واسعاً أمام ولادة سلسلة من الدول في البلقان.. ووصلت العدوى الآن الى القوقاز. وإذا كان سلخ كوسوفو عن صربيا وإعلانها دولة مستقلة شجع الروس ـ وربما حرّضهم ـ على سلخ أوسيتا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا وإعلان كل منهما دول مستقلة، فإن الرد الأميركي – الأوروبي قد يكون بإعادة تحريك ملف الشيشان وملف ناغاورني كاراباخ من جديد. ولعل ذلك كان وراء حركة التقارب المفاجئة والسريعة بين تركيا وأرمينيا رغم الاتهامات الأرمنية التاريخية لتركيا بأنها ارتكبت جرائم إبادة ضد الأرمن. فالخريطة السياسية في المنطقة معرّضة الآن لمزيد من التغييرات وإعادة النظر على قاعدة المصالح النفطية المرتبطة ليس فقط بمنابع النفط والغاز، إنما بخريطة الأنابيب التي تنقل النفط والغاز الى الدول الغربية المستهلكة. في عام 1967 عندما أقر مجلس الأمن الدولي القرار 242 حول الصراع العربي الإسرائيلي، وقع العرب ضحية خطأ ترجمة النص بين اللغتين الانكليزية والفرنسية. وكان الخطأ يدور حول "أل" التعريف. النص الفرنسي للقرار يقول بوجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة. أما النص الانكليزي فيقول بانسحاب إسرائيل من أراضٍ عربية محتلة. أدى استبعاد أل التعريف الى تفسير اعتمدته إسرائيل والولايات المتحدة مبني على مفهوم يقول إن الانسحاب المطلوب لا يشمل جميع الأراضي العربية المحتلة (سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة)، بل جزءاً من هذه الأراضي، كما أن هذا الاستبعاد أسس لمنطق إعادة رسم الحدود بين إسرائيل والدول العربية بما يحقق الأمن لإسرائيل، ذلك أن القرار يقول بحق إسرائيل بالعيش داخل حدود آمنة ومعترف بها وهو أمر يتطلّب في نظر إسرائيل والولايات المتحدة ولاحقاً أوروبا، تعديل الحدود عما كانت عليه في عام 1967. ومن خلال ذلك يبدو واضحاً أن إسقاط الحرفين الألف واللام أدى الى انقلاب جوهري لا تزال إسرائيل تستخدمه لتعطيل انسحابها من القدس ومن بقية الأراضي العربية الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة. فمن المسؤول عن إسقاط أل التعريف في الترجمة؟ وهل حدث ذلك عن سابق تصور وتصميم؟. ولماذا لم يدرك الجانب العربي "خطأ" الترجمة في حينه؟ ولماذا تعاملت الولايات المتحدة ومن بعدها بريطانيا وحتى فرنسا وسائر الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن مع القرار 242 من دون أل التعريف؟.
وكيف ترك ذلك كله آثاره السلبية على مساعي التسوية العربية ـ الإسرائيلية والتي لا تزال متعثرة حتى الآن على المحورين السوري والفلسطيني؟.. إن كل هذه الأسئلة تستحضر ذاتها اليوم في ضوء تعثّر تنفيذ خارطة الطريق التي توافقت عليها الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وقبل ذلك تعثر اتفاق أوسلو، وبعده تعثّر مباحثات ايهود أولمرت مع محمود عباس حتى سقوط أولمرت واستقالته من رئاسة الحكومة. هذه التجربة تتكرر الآن في القوقاز بعد حرب الأيام الخمسة بين روسيا وجورجيا. فقد وضعت فرنسا باعتبارها رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، صيغة للتسوية بين الطرفين. نصّت هذه الصيغة التي أشرف عليها الرئيس الفرنسي نفسه نيكولا ساركوزي وجرى التوقيع عليها في 12 آب ـ أغسطس الماضي على انسحاب القوات الروسية من المناطق الأمنية التي أقاموها حول أوسيتا الجنوبية وأبخازيا. تحدث النص الفرنسي الذي وقّع عليه الرئيس الجيورجي ساكاشفيلي عن "الأمن في أوسيتا وأبخازيا". غير أن حرف الجر "في" غاب تماماً عن النص الانكليزي ـ والروسي ـ الذي وقعت عليه روسيا، وتحدث فقط عن "أمن أوسيتا وأبخازيا". إن غياب ـ أو تغييب ـ حرف الجر هنا لا يعني فقط تبايناً واضحاً في تحديد المواقع الأمنية التي أقامتها القوات الروسية سواء لجهة التراجع أو التقدم، ولكنه يعني ما هو أكثر من ذلك بكثير. إنه يعني الإقرار الضمني بانفصال المقاطعتين عن جورجيا باعتبار أن لكل منهما أمناً ذاتياً مستقلاً. أما إبقاء حرف الجر في النصّ الجيورجي، فيعني ضمناً أيضاً أن أمنهما لا يزال جزءاً من أمن جورجيا. هنا أيضاً تفرض علامات استفهام كبيرة حول ما إذا كان هناك خطأ في الترجمة أو أن الأمر هو تكرار متعمد للتجربة الديبلوماسية المتعلقة بالقرار 242.
في عام 1967 صاغ ممثل بريطانيا في مجلس الأمن الدولي اللورد كارادون مسودة القرار الذي اتخذ رقم 242، فلعب على أل التعريف نصاً في الصياغة الفرنسية وحذفاً في الصياغة الانكليزية. أما اللورد كاردون الجديد في عام 2008 فهو وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي تولى صياغة ما اتفق على تسميته خطة السلام لجورجيا، فقد لعب على حرف الجر نصاً في اللغة الانكليزية التي اعتمدتها روسيا وحذفاً في اللغة الفرنسية التي اعتمدتها جورجيا. كان اللورد كارادون يقول للعرب إنه وضع النص مع أل التعريف، وإن البيروقراطية في الأمم المتحدة هي المسؤولة أثناء الترجمة عن الحذف. ولكنه كان في الوقت نفسه يقول للإسرائيليين إن حذف أل التعريف يوفر لهم فرصة عدم التصدي للمجتمع الدولي برفض القرار من دون أن يلزمهم ذلك القبول بوجوب الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة كافة!!. فهل هذا ما يقوله اليوم كوشنير للروس ايضاً؟.. وهل وقع الرئيس الجيورجي وحكومته في الفخ الذي وقع فيه من قبل الديبلوماسيون العرب ورؤساؤهم؟. أم أن كل ما في الأمر هو مجرد خطأ في الترجمة اقتضته متطلبات إعادة رسم الخريطة السياسية في القوقاز؟. بعد انفصال أوسيتيا الجنوبية عن جورجيا وإعلانها دولة مستقلة لا بد من التساؤل: هل تملك هذه الدولة الجديدة التي لا يزيد عدد سكانها على سبعين ألفاً مقومات الدولة؟. للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة الى أن ثمة ست دول أعضاء في الأمم المتحدة يقل عدد سكان كل منها عن سبعين ألفاً. بل إن إحدى هذه الدول لا يزيد عدد سكانها على تسعة آلاف نسمة فقط. من هذه الدول إمارة ليشنشستاين واندورا. أما أبخازيا التي انفصلت واستقلت أيضاً عن جورجيا، فإن عدد سكانها يبلغ ثلاثة أضعاف عدد سكان أوسيتيا الجنوبية، كما أن إمكاناتها الاقتصادية أفضل. واستناداً الى دراسات احصائية دولية، فإن معدل انتاج الفرد في أوسيتيا يبلغ 250 دولاراً فقط. لم تعترف باستقلال الدولتين الجديدتين سوى روسيا حتى الآن. ونقول حتى الآن، لأن باب الاعتراف بهما مفتوح على مصراعيه خاصة بعد قمة دول شانغهاي التي تضم الصين الى جانب دول آسيا الوسطى: كازاخستان وقرقيزيا وطاجكستان واوزباكستان. فقد أقرت القمة حق روسيا في التدخل العسكري في جورجيا، وبالتالي فإن الدول الأعضاء انسجاماً مع هذا القرار تبدو مستعدة للاعتراف بنتائج التدخل الروسي وهو استقلال الدولتين. أما الدول الأوروبية الغربية فإنها في وضع لا تحسد عليه. هناك دول اعترفت باستقلال كوسوفو التي انفصلت عن صربيا على قاعدة تميزها الاثني (الألباني) والديني (الإسلامي) عن صربيا. ويشكل هذا الاعتراف سابقة لا تستطيع أن تتهرب من مواجهتها في أبخازيا وأوسيتا الجنوبية. من هذه الدول ألمانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا. وهناك دول امتنعت عن الاعتراف بكوسوفو دولة مستقلة ليس إنكاراً لحقها بالاستقلال، ولكن خوفاً من أن يشكل الاعتراف بهذا الاستقلال سابقة تضطر الى الالتزام بها إزاء الحركات الانفصالية التي تواجهها في الداخل. وعلى رأس هذه الدول اسبانيا التي تعاني منذ سنوات من أعمال إرهابية تقوم بها حركة الباسك في شمال البلاد بهدف الانفصال عن اسبانيا، أما الجنوب وعاصمته برشلونة فإن سكانه لم يتخلّوا عن حقهم في التميز عن بقية أجزاء البلاد الاسبانية. وفي أوروبا الوسطى والشرقية مثل هنغاريا ورومانيا أقليات عرقية ودينية تتطلع للانفصال أيضاً. كما أن في دول البلطيق الثلاث التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي السابق أقليات روسية لا تزال تعتبر الولاء الأول للوطن الأم وهو الاتحاد الروسي.
وتواجه تداعيات الاعتراف أو عدمه دول كبرى مثل الصين على خلفية حركة الانفصال البوذية في التيبت، وحركة الانفصال الإسلامية في شينكاينغ، وكذلك الهند التي تواجه سلسلة حركات انفصالية في الشرق والشمال الشرقي لعل أشدها سخونة في كشمير الإسلامية.. وحتى في سريلانكا (الصراع بين البوذيين والهندوس في شمال الجزيرة). ولا يخرج العالم العربي من هذه الدائرة المثيرة للقلق. فالاعتراف بأوسيتا الجنوبية وأبخازيا يفتح أبواب جهنم في وجه العديد من الدول العربية. فإذا اعترفت الدول العربية بكوسوفو التي ولدت على يد الولايات المتحدة، وإذا اعترفت بأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللتين ولدتا على يد روسيا، فكيف ستبرر معارضتها وتصديها للحركات الانفصالية التي تشهد حالات مد وجزر والتي قد تلقى دعماً إما من روسيا أو من الولايات المتحدة؟ أو من كليهما كما حدث لدى استيلاد إسرائيل في عام 1948؟. يتعرض بعض الدول الكبيرة المتعددة الأديان والعناصر الى التمزيق على قاعدة حق تقرير مصير الأقليات فيها. وفي الوقت ذاته تشتد العولمة التي تتجاوز الحدود السياسية للدول والمجتمعات تجذراً وانتشاراً. فبين تناقض الظاهرتين وتكاملهما، ينفتح العالم على متغيرات عميقة تعمل على إعادة النظر في الخريطة السياسية للمناطق الأشد كثافة بالأقليات المختلفة.
"المستقبل"




















