أصعب المهمات في العام المقبل ستكون من نصيب صانعي السياسة والقرار. يكفي أن نتأمل في القضايا وقوائم الخيارات المطروحة أمام زعماء العالم لندرك كم ستكون شاقة عملية اختيار البديل المناسب في عالم شديد التوتر وفي ظروف تدعو إلى اليأس وفي مواجهة شعوب تعبت، بعضها أحبطه كذب الحكام وزيف الشعارات ومآسي الحروب، وبعضها أنهكه القمع والاستبداد أو نهشه الفقر والجوع، وكلها في وضع تربص.
مرت سنوات بل عقود وآمال حكام الدول النامية وطموحاتهم معلقة بمبادئ توافق واشنطن. سقط التوافق في أميركا اللاتينية قبل أن يسقط بدوي هائل في كل مكان على وجه الارض تحت وقع الأزمة الاقتصادية العالمية. نعرف الآن، وبغير مباهاة، أننا لم نكن مبالغين أو كارهين عندما كنا نحذر من الآثار السلبية لهذا التوافق وبخاصة اتساع الفجوة داخل الشعب الواحد، وبين الشعوب. ولم نكن حاقدين عندما نبهنا إلى أن أميركا ودول الغرب لا تطبق هي نفسها توافق واشنطن في مجتمعاتها واقتصاداتها بل انها كثيرا ما تبنت سياسات تتناقض مع أهم مبادئه، بينما كانت في الوقت نفسه تطالب الشعوب الأخرى بالالتزام به جملة وتفصيلا. من هنا أتصور العبء الملقى على صانعي السياسات وبخاصة الاقتصادية في دول كثيرة خلال الأسابيع المقبلة، ليس فقط من اجل تبرير سقوط توافق واشنطن وفشل السياسات التي بنيت عليه, ولكن أيضاً من أجل تقديم بدائل كان تقديم النصائح بشأنها والكتابة عنها مصنّفين كنوع من العصيان أو التخريب في نظر القائمين على تنفيذ التوجيهات الواردة من الخارج في شأن التوافق وسياساته. وليس خافياً أن تنفيذ التوافق احتاج في دول كثيرة إلى استخدام أعظم للقدرات الأمنية بعد أن جرى تعظيم هذه القدرات إلى حد أن أصبحت قسوة الأمن ترتبط في أذهان الكثيرين بالمبالغة في سياسات تحرير الاقتصاد وتوسيع مصادر الائتمان وتسهيلها الى ما يتجاوز حدود النزاهة والانضباط المصرفي الى أعماق الفساد والفوضى المالية. وكلها كان لا بد أن تؤدي إلى ما وصلنا جميعا إليه، أي إلى سقوط المعبد فوق رؤوس كهنة مدرسة شيكاغو وتلاميذها المتحكمين باقتصادات دول عديدة والمستفيدين ساسة كانوا أم مغامرين ومقامرين.
أتخيل عبئاً آخر واقعاً على عاتق صناع القرار والسياسة. لقد استخدم كثير من القادة السياسيين أسلوب تشجيع، إن لم يكن بث، الكراهية لأميركا بين شعوبهم لتحويل انتباه الشعوب بعيدا عن قضايا الداخل وغالبها مأزوم كقضايا المشاركة السياسية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، حتى كاد الإعلام في بعض الدول العربية يجعل مسألة التدخل الاميركي قضية وطنية. بينما كانوا في الوقت نفسه يتوددون ديبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً إلى المسؤولين في أميركا وينفذون لهم بعض أو كل ما يريدون. الآن لن يكون سهلاً أو هيناً على صانعي القرار إقناع الشعوب بأن أميركا ليست شريرة كما كانت تصورها أجهزة الإعلام التي كانت تتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية، وأن أميركا في حاجة إلى دعم نقدي وسياسي يجب أن نقدمه لها أسوة بما قرر أن يفعله معظم قادة العالم. سيكون لازماً خلال الشهور المقبلة أن يخرج الساسة وصانعو القرار إلى شعوبهم ليعلنوا أمامهم أن أميركا القوية والغنية ضرورة لسلامة وأمن دولنا ولاستقرار التجارة الدولية وإنعاشها. أراهم يستغلون وجود أوباما في الرئاسة ويستغلون شهر العسل الذي سينغمس فيه أوباما مع شعوب العالم ليحملوا على الرئيس بوش وعهده حملة شعواء ويحملونهما مسؤولية كراهية الشعوب العربية لأميركا وتدهور مكانتها في الاقليم والمصاعب التي يواجهها الساسة مع شعوبهم. وقد يجد بعضهم في خطب أوباما وتصريحاته إشارات إلى رغبة في الحوار واعتبار هذه الرغبة تخليا عن دعم الديموقراطية واستغناء عن التبشير بها والترويج لها. ولكن هذا البعض يجب أن يدرك جيداً أن اوباما لن يتخلى بسهولة عن «الاستثنائية» الأميركية التي كانت وراء حملات التبشير الإيديولوجي والتدخلات الخارجية التي شنها بوش ومن سبقوه وكلينتون واحد منهم، ولن تشذ زوجته هيلاري وزيرة الخارجية في ادارة أوباما ولا مادلين أولبرايت مستشارة اوباما السياسية.
سيكون صعباً على السياسيين الذين يستخدمون العداء والكراهية لأميركا لتحقيق أهدافهم الداخلية الاستمرار بالدرجة نفسها في معارضتهم لأميركا. هؤلاء سيدركون خلال الأسابيع، وربما الشهور المقبلة، أن دولهم أصبحت أكثر التصاقاً بالاقتصاد الأميركي من أي وقت مضى، بل أن بعض الدول الكبرى تبدو هذه الايام وقد أصبحت رهينة لدى أميركا منذ أن صارت أميركا مدينة لها ولعشرات من الدول وملايين المدخرين والمستثمرين. لم يحدث في أي وقت أن كان العالمي والمحلي على هذا القدر من التداخل مثلما هو الحال الآن، وهو الحال الذي سيشكل عبئاً إضافياً على صانعي القرار لأن العالمي، أي الخارجي، سيضغط بقوة أشد على الداخل، وبالعكس ستضغط المشكلات المحلية على الإقليم والعالم بقوة أيضاً أشد.
نقترب من عام جديد معبأ بمشكلات إقليمية وداخلية لم يفلح العالم في تسويتها أو حلها عندما كان الاقتصاد العالمي أحسن حالاً ونسب النمو مرتفعة والتجارة العالمية أفضل حالا. فما بالنا وقد بقيت أكثر المشكلات على حالها، وإن مجمدة، بينما مشكلة أشد خطورة تدق أبواب الأقاليم والدول كافة وتضغط لتحظى بأسبقية في الجهود لحلها قبل المشكلات المحلية. لم تحل مشكلات أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وقبرص وكوسوفو ونانغورنو كاراباخ، وتتصاعد نذر مشكلة أخطر في شبه جزيرة القرم بين أوكرانيا وروسيا، ولم تحل مشكلات كشمير والتيبت وأفغانستان والعراق وتايوان وكردستان التركية وكردستان الإيرانية. وتبقى مشكلة فلسطين أشد تعقيداً وهي الآن على وشك أن تفرض على صانعي السياسة العرب اتخاذ مواقف شديدة الحرج في وقت توترات خطيرة إذ سيكون من غير الممكن الاستمرار في سياسة الإنكار المتدرج للقضية الفلسطينية على طريق تصفيتها بفرض النسيان أو بتشجيع الفتنة بين الفصائل أو بالتجويع والحصار أو بكل هذه معا وبما يستجد من أفكار في مراكز الفكر الصهيوني في الولايات المتحدة، ولم تحل مشكلات الفقر في أفريقيا بينما تتواصل أعمال الإبادة في الكونغو وتتدهور الأوضاع في الصومال والسودان وتشاد وزيمبابوي.
وأستطيع أن أتصور العبء الذي سيقع على عاتق صانعي القرار في روسيا تحديداً، في وقت يتراجع فيه معدل النمو الاقتصادي وترتفع معدلات العنف وتزداد الواردات وتنخفض الصادرات وتنهار أسعار النفط، وفي وقت يشهد عودة التوتر إلى أقاليم الأقليات العرقية والدينية ويتصاعد الغضب بسبب الفساد والجريمة. يحدث هذا بينما يتعين على فلاديمير بوتين أو على الرئيس ميدفيديف تهدئة الحملة الإعلامية والديبلوماسية على الولايات المتحدة، والبحث في أساليب وتحالفات لدعم اقتصاد أميركا ومنع انهيار الأسواق الغربية ومواجهة احتمالات نضوب مصادر الاستثمارات الغربية والصينية، ويتعين على قادة روسيا أيضاً الانتباه إلى محاولات الغرب استغلال ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية لاستكمال طوق حصار روسيا بالاتحاد الأوروبي أو بالحلف الأطلسي أو بكليهما معاً. أكبر الظن أن القيادة السياسية الروسية ستدخل امتحاناً عسيراً في الأسابيع المقبلة مثلها مثل البرازيل والهند والصين، خصوصا بعد أن اكتشفت القيادات الأوروبية، وربما القيادة الأميركية أيضاً، أن دوراً سياسياً أكبر لهذه الدول الصاعدة أمر حيوي إذا أريد بناء نظام عالمي جديد يحد من سلبيات «الانفرادية» الأميركية وسلبيات «الهيمنة الحضارية» الغربية، وسلبيات «أولوية» الاقتصاد على الدولة. وكلها من السلبيات التي أدت إلى الأزمة العالمية الراهنة، أو كشفت عنها هذه الأزمة.
* كاتب مصري
"الحياة"




















