الجولات الثلاث للعقوبات التي فرضت على ايران في الماضي لم تثن العزيمة النووية لطهران، فلماذا يكون مصير الجولة الرابعة افضل من سابقاتها؟
الضرر الوحيد الذي يمكن ان تخلفه مثل هذه العقوبات، التي يصفها حتى موقعوها بأنها "ملطفة" و"رمزية"، هو الضرر "السياسي" و"الديبلوماسي" المعنوي . اذ كيف يمكن طهران ان تبرر ان قضيتها النووية هي قضية حق ولم تفلح في اقناع دول مثلها تعاني الهيمنة الدولية بالتصويت الى جانب قضيتها "المحقة" و"العادلة" في مجلس الامن؟ واذا كانت ايران نجحت في كسب تركيا والبرازيل الى صفها وتحييد لبنان، فانها في الواقع خسرت روسيا والاهم الصين التي ظلت حتى اللحظات الاخيرة تعترض على توقيع عقوبات جديدة. رب قائل إن الصين ادت دورها "الايراني" عندما افرغت المسودة الاولى لمشروع قرار العقوبات من مضمونه العقابي الشديد وشذبته حتى كاد القرار النهائي يخرج خاليا من العقوبات الفعلية، الامر الذي اراح الايرانيين. لكن السياسة تقتضي الكسب في المعركة الديبلوماسية الفاصلة وهذا ما لم يتحقق لايران ، ربما لانها اخطأت في التقدير او لان حجم الضغوط الاميركية كان اقوى مما يستطيع حلفاؤها المفترضون ان يقاوموه.
ايران خسرت في معركتها النووية نقطة في السياسة، لكنها اضافت الى رصيدها نقطة جديدة في الجغرافيا تضاف الى نقاطها الكثيرة والقوية في هذا المجال. فخروج تركيا من معادلة العقوبات ليس مجرد كسب بيدق في الشطرنج الدولي الدائر على الساحة الايرانية ، بل هو نقلة قد تكون بمثابة "كش ملك" ضد فريق العقوبات. من دون الطوق التركي لا عقوبات مجدية على ايران، فهي المدى الحيوي وهي الجغرافيا التي يمكن ان تعوض ايران ما خسرته في السياسة. تركيا ليست منفذا سيظل مفتوحا في ظل الحصار فحسب، بل ايضا بديل استراتيجي من روسيا والى حد ما الصين التي لم تخسرها طهران بالكامل بعد.
في معادلة الجغرافيا في مقابل السياسة ، حققت طهران حتى اليوم مكاسب استراتيجية. فالغزو الاميركي للعراق لم يجعل القوة العسكرية الاميركية في هذا البلد وفي الخليج عامل تهديد للنظام القائم في طهران ، بل على العكس حولت السيطرة الايرانية على الجغرافيا العراقية، ارضا وبشرا، الوجود الاميركي هناك كيس ملاكمة واسير حرب من دون اسر، الامر الذي اعطى ايران ما لم تكن تحلم به اطلاقا. وما ينطبق على العراق ينطبق ايضا على افغانستان حيث نار الحرب لا تزال مشتعلة وكل فريق من افرقائها المنظورين وغير المنظورين (ومن بينهم ايران) يتبارى في اظهار مكامن قوته السياسية والجغرافية والمخابراتية.
بعد المعركة الديبلوماسية الاخيرة في مجلس الامن، اثبتت الولايات المتحدة انها لا تزال الاقوى سياسيا في العالم. لكن ثبت ايضا ان ايران لا تزال فاعلة في جغرافيا المنطقة ويمكنها ان تحول العامل الجغرافي عاملا سياسيا في لحظة غفلة او في لحظة ضعف الفريق الآخر. فبفتح حدودها السياسية والجغرافية مع جارتها تركيا تفرغ العقوبات من مضمونها، ووجودها الجغرافي في افغانستان يجعلها عامل ضغط على الوجود العسكري والسياسي الاميركي المحشور بالمأزق وورقة مساومة في السياسة . اما وجودها المماثل في العراق فيجعلها حاجة ملحة لواشنطن لتأمين انسحابها الهادئ من هناك في آب المقبل، والاهم من ذلك تأمين مصالحها المستقبلية. فكيف يستقر الوضع في العراق وافغانستان من دون مشاركة ايرانية (اذا كانت الولايات المتحدة تطمح الى استقرار بعد انسحابها)؟ وكيف لايران ان تشارك الولايات المتحدة مصالحها في العراق والخليج وهي في المقابل تعاقبها وتحاول عزلها؟ واي حكومة ستنشئ في العراق بعد اقرار العقوبات على طرف معني بها؟ وما الثمن الذي سيتوجب على الاميركيين دفعه للايرانيين وغيرهم لتأمين مصالحهم بعد الانسحاب؟ وهل سيقود ذلك الى حوار من تحت الطاولة في ظل عقوبات من فوقها؟
فلننتظر قليلا لنرى من سيكسب: السياسة ام الجغرافيا؟
"النهار"




















