برزت "المصالحة الوطنية" كمفهوم مركزي مع الربع الأخير من القرن العشرين، حين تمكنت كوكبة من الدول تحقيق الانتقال الديموقراطي داخل دولها ومجتمعاتها. فبتقدير "صامويل هانتغتون" شملت الموجة الثالثة من الانتقالات أكثر من أربعين دولة في العالم تحولت من وضع سياسي شمولي إلى نظم ديموقراطية ما بين ثورة القرنفل في البرتغال (1974) ومستهل العشرية الأخيرة من القرن الماضي(1992) ، وقد تعلق الأمر بدول في أميركا اللاتينية، وأقطار المنظومة الاشتراكية سابقا، وبعض البلدان الإفريقية..وحدها البلاد العربية بقيت في مجملها خارج هذه الحركية، فكما افتتحت القرن العشرين بأسئلة الاستعمار، والإصلاح، والتوق إلى الحرية، ودّعته بالأسئلة نفسها.
ينهض مفهوم "المصالحة الوطنية" على جملة مستلزمات من طبيعة سياسية وثقافية وقيمية. فمن جهة، تتحقق المصالحة في وضع سياسي موسوم بالانفتاح، والحوار، والحرية، والتسامح، كما يشترط، من جهة ثالثة، ثقافة تُنزِّل الاعتراف بالأخطاء، والبوح بالأضرار، والجهر بالانتهاكات، منزلة الصدارة في التفكير في دينامية المصالحة. ويقتضي، في مستوى ثالث، نظاماً قيمياً ناظِما للدولة والمجتمع، من سماته الوفاء بالالتزامات، وربط القول بالفعل، وتجنب تكرار الأخطاء والممارسات الجسيمة، والسعي الدؤوب إلى جعل الدولة بيتاً للجميع، دون حق الأفراد والجماعات في الاختلاف، أو تأجيج الصراعات لتعميق واقع الفتنة، وتعريض الدولة والمجتمع للضعف والتفكك. لذلك، تعدُّ المصالحة الوطنية درجة سامية في نضج المجتمع، واكتمال رُشد الدولة والمؤسسات، وتطور الثقافة السياسية، واستقامة ممارستها. فمن هذه الزاوية بالذات، بدت نظم سياسية عربية كثيرة في حاجة ماسة إلى استنبات مفهوم المصالحة في واقع مجتمعاتها، وإشاعة روحه في مؤسسات الدولة وسلوكات الأفراد، بل إن بعضاً من هذه الأقطار إما قطع مراحل مهمة في تكريس المفهوم واختبار نتائجه، كما هو حال المغرب الأقصى، أو طرحه على النقاش المؤسساتي (الجزائر)، في حين ظلت دول أخرى تلوِّح إلى المفهوم دون أن تشرع في إنجازه فعلاً على صعيد الواقع، كما هو الشأن في السودان، ولبنان، والعراق، وسوريا . ومن باب المقارنة، فتحت المصالحة الوطنية في الدول التي تحقق فيها المشروع، وتطور، وأنتج فوائده، ديناميات بالغة الأهمية من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية. فسياسياً، أعادت المصالحة لحم الدولة والمجتمع، وردمت الهوة التي تنامت بينهما بفعل جور الدولة وتصلب سلطانها، وتكونت ثقافة جديدة قوامها المصالحة مع كيان الدولة والتنافس الشرعي والسلمي داخل مؤسساتها. أما اجتماعيا، فقد شرع الناس يلمسون حضور الدولة إلى جانبهم، بالإنصات إلى مطالبهم، والاستجابة الواقعية والممكنة لتطلعاتهم وانتظاراتهم، ليس لأنها أوصلتهم مرتبة العدالة الاجتماعية المطلقة، وهو ما يندرج ضمن الطوبى أكثر من الممكن، بل لأنها رعَت مبدأ تكافؤ الفرص وسهرت على تطبيقه. أما ثقافيا، فالمصالحة إن تحققت تعيد صياغة ذهنية المجتمع، وتبث في مكوناته قيم الولاء للدولة، والوطنية، والوطنية الكاملة، وتبعدهم عن الاختفاء والاحتماء بأتون الولاءات الأولية، العشائرية والطائفية والإثنية والجهوية واللغوية، وهو ما يضعف كيان الدولة، ويعرضها إلى التفكك والتذرر .. ومن ينظر اليوم إلى بعض التجارب الناجحة في مجال المصالحة الوطنية (إسبانيا، البرتغال، جنوب إفريقيا، التشيلي..)، يلمس قيمة المفهوم في تكريس وتأكيد ما أشرنا إليه أعلاه.. ففي زمن قياسي غير معهود، تحولت إسبانيا إلى نموذج ديموقراطي، بعدما ظل سجلها السياسي موسوماً بدماء الحرب الأهلية التي حملت أعتى النظم الشمولية في القرن العشرين إلى سدة الحكم، والأمر نفسه ينطبق على جنوب إفريقيا، التي ظلت لعقود مُدانة بالميز العنصري، والملاحظة ذاتها تسري على دولة التشيلي، التي تمَّ اغتصاب السلطة فيها بحد السيف (1973)، وتعرض المجتمع بكامله لموجة مستدامة من العنف والتنكيل.
يقدم المثال المغربي حالة متفردة في البلاد العربية، بغض النظر عن ميزان ما تحقق وما لم يتحقق في مشروع المصالحة الوطنية. فقد عاش المغرب، على امتداد ثلاث وأربعين سنة (1956 -1999)، مرحلة صراع حاد بين الدولة والقوى السياسية الوازنة في المجتمع، لاعتبارات خاصة بفلسفة إعادة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال (الدستور، آليات ممارسة السلطة، الحريات العامة، المشروع المجتمعي العام).
ففي سياق مسلسل الإصلاحات التي أقدم عليها خلال تسعينيات القرن الماضي، انتبه المغرب إلى خطورة استمرار منطق التوتر على السلم المدني والاجتماعي، فشرع في إعداد شروط المصالحة الوطنية، التي اعتبرها خطوة أولى لإنجاح الإصلاحات، فكان إعلانه الرسمي بالانتساب إلى المرجعية الدولية لحقوق الإنسان (دستور 1992)، وإحداث المحاكم الإدارية (1993)، ووزارة حقوق الإنسان، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان (1994)، وبعدها أحدث اللجنة المستقلة للتحكيم في قضايا التعويض (1999)، وديوان المظالم (2001). غير أن الخطوة الأبرز في مشروع المصالحة الوطنية تكمن في إنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة" (2004)، التي كُلفت، على غرار اللجان الدولية المشكلة في إطار العدالة الانتقالية، بتسوية ملف الانتهاكات الجسيمة الممتدة من 1956 وإلى غاية 1999، من خلال القيام بمسوحات لمعطيات ووقائع هذه الحقبة، والاستماع إلى شهادات الضحايا أو عائلاتهم، والبث العلني عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لجلسات الاستماع في أكثر من محافظة مغربية، وتسوية آلاف ملفات التعويض المادي عن الضرر (9280 ملفا من أصل 16861)، وجبر الضرر الجماعي، وإعادة الإدماج الاجتماعي والنفسي لضحايا الانتهاكات، وتأهيل المناطق والجهات التي شملها التهميش والإقصاء، وحفظ الذاكرة السياسية. ولعل البارز في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، صياغتها تقريراً عاما من مئات الصفحات، رصدت فيه حصيلة عملها، وأبانت الإصلاحات العامة الواجب إنجازها كي لا تتكرر تجربة الانتهاكات الجسيمة، وبغية استنبات قيمة المصالحة في روح الدولة ومؤسساتها، ووعي ووجدان المجتمع.. إن الطريق ما زال طويلاً أمام التجربة المغربية، لكن من المؤكد أن المغاربة دشنوا سجل المصالحة مع تاريخهم، وهم يتنافسون، ويجتهدون، ويتعلمون من الأخطاء، من أجل القطيعة مع ما دأبوا على تسميته في تواصلهم وكتاباتهم "سنوات الرصاص".
() كاتب من المغرب
"المستقبل"




















