لا تُخفي إسرائيل نواياها العدوانية تجاه لبنان، وقد توعده مسؤولون عسكريون فيها غيرَ مرة في الأيام الماضية، والمؤسفُ أن تشهد الساحة اللبنانية في الأثناء تصعيداً كلامياً وتشنجاتٍ متبادلة بين أقطاب الطوائف والتكتلات والأحزاب، يخوضون فيها تحت عناوينَ مفتعلةٍ أحياناً، ومبالغاً فيها أحياناً أخرى، ما يتسببُ بتوتيرِ الأجواءِ في صيفٍ كان المأمولُ أن يكون هادئاً، وجاذباً للسياح، وليس لتخيّلات سياسيين وإعلاميين سيناريوهاتٍ يتوقعونها، فَتُحدثَ تأزيماً لا مدعاةَ له.
ينفتح ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والتي تنشغل بجريمة اغتيال رفيق الحريري، وتروجُ توقعاتٌ بشأن اتهام ظنيّ سيصدر عنها، فيشيعُ أنَّ فتنةً في لبنان قادمة. يحدُث هذا، وفي البال أنّ البيان الوزاريّ الذي نالت عليه حكومة الوحدة الوطنية القائمة الثقة النيابية بموجبه تضمّنَ التزاماً لبنانياً عاماً بالمحكمة وإجراءاتها، ونصّ على التعاون معها.
والمعلوم أن المحكمة ذات صيغة دولية، وتأسست على القانون اللبناني، وتضم قضاة لبنانيين وأجانب. واتفقت الزعامات اللبنانية على طاولة الحوار الوطني على التعامل الإيجابي معها، انطلاقاً من حاجة لبنان كله إلى معرفة الحقيقة بشأن الجناة قاتلي زعيم وطني لبناني كبير، وإلى وجوب عقابهم بما يستحقون.
لم يتضح شيء تفصيلي بشأن ما ستصدره المحكمة، وإن تسرّب أنّ لا اتهاماتٍ متوقعةً ضد مسؤولين لبنانيين سوريين، سابقين وحاليين، وإذا كان قد تردّد أن اتهاماً ظنياً قد يصدر بشأن عناصر غير منضبطة في حزبٍ ما أو جهةٍ ما، فذلك لا يبرّر الانفعال الذي نرى، ولا التخوين الذي نسمع ضد هذا وذاك، بل يوجبُ التريث لاستبيان الحقيقة كاملة، للتعامل معها بمهنية وشجاعة.
ولا نقول هذا انحيازاً لطرفٍ أو لآخر في لبنان، بل حرصاً على أن يظل هذا البلد الذي نُحب في منجاةٍ من كل عواملِ التوتير والتأزيم، وبعيداً عن كل ما قد يسبب فتنةً بين أهله. ولتكن الحقيقةُ، وليس غيرها، وجهة أنظار جميع اللبنانيين، يتطلعون موحدّين إلى معرفتها والتثبت منها.
نصّ اتفاق الدوحة بين الزعامات اللبنانية على التخفّف من الشحن الإعلامي والدعائي والتخويني في ما بينهم، لأنّها وخيمةٌ ومُجرّبةٌ تأثيراتُ هذا المناخ ونتائجه، إذا أُرخيت حباله. والدعوة هنا إلى أن يتجدد الالتزام بذلك الاتفاق، وبالروحية الوفاقية الواجبة، حمايةً للبنان، فينعم بالاستقرار السياسي والأمني الدائم، ليبقى هذا البلد العربي عنوانَ اعتزازنا جميعاً، أينما كنا.




















