غسان شربل
قال السياسي العراقي المتقاعد: «لم نستطع التفاهم مع الأكراد. كانت المسألة تفوق قدرتنا. كان من الصعب علينا بحكم تربيتنا ومعتقداتنا ان نسلم بوجود مجموعة غير عربية على ارض العراق. وأن من حق هذه المجموعة أن تحافظ على لونها وتراثها وأن تعطى حق ادارة الكثير من شؤونها. وأن تكون لها مدارسها التي تدرس لغتها الى جانب العربية. كان من الصعب علينا القبول ان هوية العراق ليست عربية صافية بالكامل. لهذا كنا نعامل الأكراد باعتبارهم عرباً لديهم مشكلة او نعاملهم كأننا نطالبهم ان يتحولوا عرباً وان يتنازلوا عما يسمونه هويتهم او خصوصيتهم. لو قيد لعبدالسلام عارف ان يشطب الأكراد من خريطة العراق لما تأخر. صدام حسين حاول عملياً شطبهم وتبديدهم وتذويبهم. للأسف لم نكن على استعداد لقبول الآخر والتحاور معه واللقاء معه في منتصف الطريق».
كلام خطير آخر سمعته في بغداد قبل ثلاثة اشهر. قال السياسي: «دعك مما يقال في التصريحات الرسمية وعلى الشاشات. لدينا أزمة عميقة في العلاقات بين الشيعة والسنّة. حدثت ممارسات مخيفة في المرحلة السابقة. أخطر ما فيها عمليات الفرز المذهبية. تزايد عدد الاحياء والمناطق «الصافية» في بغداد. الفريق الذي اعتبر نفسه منتصراً لم يتصرف بواقعية. تصرف كأنه يريد ان يحكم منفرداً او يرقص منفرداً. الفريق الذي اعتبر نفسه خاسراً لم يتصرف بواقعية. فضل مناكفات الطلاق على دفع ثمن انقاذ الزواج. لا تستغرب ان تأتي ساعة يطالب فيها سنة العراق بإقليم لهم».
منذ انتحار الاتحاد السوفياتي والانفجار اليوغوسلافي الدموي صارت ازمات التعايش جزءاً لا بد منه من اهتمامات الصحافي. لقد شهد العالم يقظة عنيفة للهويات والخصوصيات تجاوزت في أحيان كثيرة الرغبة في تحصيل حقوق ضائعة الى الرغبة في الثأر ورسم الحدود مع الهويات الاخرى بالكراهية والدم. لم يكن امراً بسيطاً ان الشعوب التي توهم ستالين انه قتل رغبتها في الطلاق سارعت الى الفرار من الركام السوفياتي. وان الشعوب التي حشرها تيتو في يوغوسلافيا سارعت الى الاستقالة منها عند اول فرصة وعلى وقع التنابذ والتذابح.
تذكرت ما سمعته عن صعوبات التعايش وأنا أقرأ كلاماً مهماً وخطيراً في آن لرئيس الوزراء السوداني السابق زعيم حزب «الامة» المعارض الصادق المهدي. قال ان فكرة تقرير المصير في جنوب السودان وفكرة الانفصال المحتمل تعبران عن وضع سياسي طرأ نتيجة «إخفاق في ادارة التنوع بلغ مداه عندما تولاه تحكم ايديولوجية احادية طاردة». ولعل المهدي كان يشير الى المخاطر التي يرتبها على التعايش ذهاب احدى المكونات الى الاعتقاد انها تملك كامل الحقيقة وان على الآخر الانضواء في معتقدها او لونها او خيارها. ولاحظ ان في الشمال تيارات تطالب الجنوبيين عملياً بالتنازل عن هويتهم لانقاذ الوحدة وان تيارات جنوبية تطالب الشماليين بتنازل مشابه. وواضح ان انقاذ الوحدة في بلد متعدد يصبح متعذراً اذا صار مشروطاً بالتنازل عن الهوية من هذا الفريق او ذاك.
ويقول المهدي: «ان المطلب الصحيح هو مدنية الدولة وحرية الاديان وتعددية الثقافة ولا مركزية الحكم وعدالة المشاركة في السلطة والثروة والتعبير السياسي والدستوري عن هذه الحقوق…».
ان اهمية كلام المهدي لا تنبع فقط من احتمال ان يسفر الاستفتاء المقرر في مطلع السنة المقبلة عن الطلاق بين جنوب السودان وشماله بل ايضاً من تآكل الدول والمؤسسات في اكثر من مكان في عالمنا العربي بفعل الاخفاق في ادارة التنوع. يستحق كلام المهدي قراءة متأنية على ضفاف دجلة ويستحق مثل هذه القراءة في بيروت وفي عواصم عديدة.
"الحياة"




















